فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
د.عبدالعظيم بدوي
الحلقة الرابعة
قال تعالى: وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا {الجن: 8- 28} .
تفسير الآيات
هذا إخبار من الجنّ عما كانوا يقومون به من استراق السمع قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه بعد بعثته صلى الله عليه وسلم مُلئت السماء حرسًا شديدًا، وحُفظت من سائر أرجائها، وحيل بين الجن وبين ما كانوا يخطفون من خبر السماء، فيلقونه على ألسنة الكهنة، كما سبق بيانه، فالآن لا يقدرون على ذلك، ولهذا قالوا: وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا × وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع يعني قبل ذلك، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابًا مرصدًا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه.
ثم نَفوا عن أنفسهم علم الغيب فقالوا: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا، أي: ما ندري هذا الأمر الذي حدث في السماء أهو شرّ أريد بمن في الأرض، أم أراد بهم ربهم رشدا؟ لا ندري لأنه من علم الغيب ونحن لا نعلم الغيب، وفي قولهم: هذا تأدب مع الله تعالى، حيث لم يسندوا الشر إليه، وأسندوا إليه الرشد، وهذا من أدب الأنبياء والصالحين، فقد قال الخليل إبراهيم عليه السلام: الذي خلقني فهو يهدين × والذي هو يطعمني ويسقين × وإذا مرضت فهو يشفين {الشعراء: 78- 80} ، فأسند المرض إلى نفسه، ولم يُسنده إلى الله تعالى.
وكان الخليل محمد صلى الله عليه وسلم يقول:"والشر ليس إليك".
(( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا