فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ألا فلنسأل أنفُسَنا بصدقٍ وإلحاحٍ, كيف حظُّنا من تلك الأنواعِ والأبواب ؟! ولنسأل مرةً أُخرى كيف انحسرَ مفهومُ العبادةِ في أضيقِ الحدُودِ, حتى صارَ عند بعضَ الناس مظاهرَ خاويةً يؤديها بجسدٍ لا قلب فيه, ثمَّ يتساءلُ ويتساءلُ المجتمعُ معه,من أيَّن تأتينا المصائبُ والشدائدُ والخلافات, ونكدُ العيش؟!"قل هو من عند أنفسكم,"أيَّها المؤمنون:أعظمُ عقوبات القلوبُ الشاردةِ عن عبادةِ الله, أنَّها تقعُ في عبادةِ غيره، وتصيرُ أسيرةً لدى سفا سفِ الأُمور ومحقرات الأشياءِ. يقولُ ابن تيميةَ- رحمهُ الله-"الاستقراءُ: يدلُ عن أنَّه كلمَّا كان الرجلُ أعظمُ استكباراً عن عبادةِ الله, كان أعظمُ إشراكاً، فمن لم يكُن اللهُ معبود هُ ومنتهى حبهِ, فلا بدَّ أن يكون لهُ مرادُ محبوبٍ يستعبدُهُ غيرَ الله, فيكونُ عبداً لذلك المرادَ المحبوب, إمَّا المالُ, وإمَّا الجاهُ, وإمَّا الصورُ, وإمَّا ما يتخذُهُ إلهاً من دون الله,"أجل، ولذلك قالها صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيح: (( تعسَ عبدُ الدنيا, تعسَ عبدُ الدرهم, تعسَ عبدُ الخميصةِ, تعسَ عبدُ القطيفة ) )ومن تشعبَ قلبهُ بين المحبوباتِ ذاقَ ألوانَ القلقِِ والحيرةِ والشك, وعاشَ ممزقَ النفسِ, مشتتَ العقلِ وما ظنُّك بعبدٍ له أسيادٌ مختلفون, كلٌ يأمُرهُ حسب هواه, فلا يدري من يعصى ومن يُطيع, إذا رضى هذا يهيجُ سخطَ ذاك, قال تعالى: (( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ) (الزمر:29) فما أكثرَ من استبعدَ قلبهُ المالَ، فكان فيه نشاطهُ وكسله، وعليه رضاهُ وغضبه، وفيه حبُهُ وبغضهُ، وما أكثرَ من استأ سر قلبهُ للشهواتِ, فباتَ عليها عاكفاً، ومنحها عزيزَ أوقاتهِ، وثمرةَ حياته، وما أكثرَ من استذلتهُ المناصبُ, فصارَ يسكتُ عن الحقِّ طمعاً فيها، وينطقُ بالباطلِِ خوفاً عليها، وما أكثرَ من استرقتهم النساء, فأصبحوا وأمسوا يفشوا المعاصي طاعةً لهنَّ، ويغفَلون عن الطاعاتِ تقرباً منهنَّ ، فهم في ظاهرِ أمرهم أسياد, ولكنهم على الحقيقةِ أُسرى مستعبدون، فقُلوبُهم شتات، وحياتُهم قلقٌ واضطراب، أين هم من العارفين الذين سكنت قلوبُهم لخالقها, واطمأنت نفُوسهم لبارئها ؟ فكلُ ما سواه في أنفسهم حقير، وكلُّ ما عداهُ عندهم هين، يقولُ عنهم ابن القيم- رحمهُ الله-:"وجملةَ أمرهم, أنَّهم قومٌ امتلأت قُلوبهم من معرفةِ الله، وغُمرت بمحبته وخُشيته وإجلاله ومراقبته، فسَرت المحبةُ في أجزائهم, فلم يبق فيها عِرقٌ ولا مفصلٌ إلاَّ وقد دخلهُ الحبُّ، قد أنساهم حبهِ ذكرَ غيره، وأوحشهم أُنسهم به ممن سواه، وبخوفهِ ورجائهِ والرغبةُ إليه, والرهبةُ منه, والتوكلُ عليه فشغلوا بحبهِ عن حبِ من سواه, وبذكرِه عن ذكرِ من سواه."
الخطبة الثانية
واعلموا أيَّها المؤمنون: أنَّ الإنسانَ بطبعهِ يعشقُ الحريةَ، ويبذُلُ دمهُ في سبيلها، ويأبى العبوديةَ ولا يقبلها بأيةِ ثمن، ولكنَّ الناسَ في زمنٍ عبثت فيه ثقافةُ الكُفرِ بالمصطلحاتِ والمفاهيم, لا يعرفون في الغالبِ حقيقةَ الحُريةِ التي يُريد ون, فالذين يطلبون الحريةَ في نُظم الجاهلية، وماديةَ الشهوات, إنَّما هم ضالونَ مُضلون, وهمُ الذين يدفعون بالمجتمعِ في وهد ةِ الاستعبادِ والرق. انظروا إلى العالمِِ الذي يعيشُ واقعهُ المرير, ففيهِ أكبرُ شاهدٍ على تحولِ البشريةِ إلى حالةٍ من الاستعباد, فالأقوياءُ يستعبدون الضُعفاء، والأغنياءُ يسترقون الفقراء، وتجارُ الشهواتِ يأسِرون عبيدها، وذلك على مستوى الأفرادِ والمجتمعات والدول, في ثقافةِ المصالحِ يصبحُ الناسُ عبيداً لكُبرائهم وتجَّارهم، وتُصبحُ الإنسانيةُ في دوائرٍ من الرقِ, بعضُها ملفوفٌ على بعض، فلا ترى فيها حُراً ولا طليقاً. فالحريةُ الحقةُ في ميزانِ الشرعِ, وثقافةِ الإسلامِ, هي حريةُ القلبِ، فمن تحررَ قلبهُ من كلِّ قوى الأرضِ وشهواتها, فهو الحُرُّ الطليق، ولا سبيلَ لنفسٍ أن تُعتق من الأرض وما فيها, إلاَّ إذا دخلت في عُبوديته عزَّ وجل, يقولُ شيخُ الإسلام ابن تيمية:"إنَّ الرقَّ والعبوديةَ في الحقيقةِ هو رقُّ القلبِ, فما استرقَ القلبُ واستعبدهُ فالقلبُ عبده,"ولهذا يُقالُ: ( العبدُ حرٌ ما قنع, والحرُّ عبدٌ ما طمع ) وكلمَّا قوىَّ طمعُ العبدِ في فضلِ اللهِ ورحمتهِ ورجائه, لقضاءِ حاجتهِ، ودفعِ ضرورته, قويت عُبوديتهُ وحريتهُ عما سواه,"فكمالُ الشرفِ والحريةِ في كمالِ العُبوديةِ لله, والإنابةِ إليه، والسكونِ إليه, والتذللِ والانكسارِ بين يديه, عن تعلقِ ذلك منهم لغيره,"أولئك أدرى الناس, كيف تُدارُ الحياةُ, وأعرفهم كيف تُدركُ الآخرة ، أولئك يَعيشون ملوكاً لا يُذلون، أغنياءُ لا يفتقرون ، آمنينَ لا يخافون ، أحراراً لا يُستعبدون، طُلقاءَ لا يُسجنون، أولئك هم أسعدُ الناس، وأعقلُ الناس، وأفقههم ، أولئك هم الذين أسلموا وجُوههم وقُلوبهم لله" (( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) ) (لقمان:22) ."
وصلى الله وسلم على محمد .
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا , ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ , ومنْ يُضلل فلا هاديَ له .
وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( ]آل عمران:102[ .
)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً( ]النساء:1[ .
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ! يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ( ] الأحزاب:70-71[ .
أما بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابَ الله , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .
أما بعد , أيها المسلمون: