#الهدية حِكم وأحكام ... ... ...
سعود الشريم ... ... ...
ملخص الخطبة ... ... ...
1-مشروعي الهدية. 2- الحث على قبول الهدية. 3- الهدية تذهب الوغر في الصدور. 4- هدايا العمال غلول ومثله هدايا الشهود والمدرسين وأمثالهم. ... ... ...
الخطبة الأولى ... ... ...
أما بعد:
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ـ عز وجل ـ؛ إذ لا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيمن سمعها ولم يعمل بها، فتقوى الله ـ سبحانه ـ طريق الفلاح وسلم النجاح وعنوان الصلاح. فَاتَّقُواْ اللَّهَ ياأُوْلِى الاْلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:100] .
أيها الناس، لا يشك غر لبيب، طافت بخلده أطياف الأمجاد وذكريات المعالي، في أن كثيرا من النفوس المسلمة في أعقاب الزمن قد تهاوت عراها وئيدا، وانجزرت أواصر المحبة والألفة فيها انجزار البحار عن شطآنها، فأصبحت لا مطمع عندها في الإبحار ولا رجاء في الاصطياد، وعند ذلك تتجدد الحوادث، وتترادف الهموم المتلونة، فتخبو معالم الإيثار الواضحة، ويمسي ما كان بارزا جليا من معالي الأمور في الأنفس مغمورا لا يكاد يبين، وإن إحساس المرء بنفسه دون سواه، إذا زاد عن حده الجبلي، فإنه يحجبه عن الإحساس بالآخرين من بني دينه، ويحصره في نطاق ضيق، لا يرى فيه إلا صورة نفسه، فيكبر شأنه ويهوِّن غيره، في غشاوة سميكة نسجها الغرور والشراهة، بل والاستئسار لكلمة (( أنا ) )فيكون من شر الناس عند الله، الذين لا يرجى خيرهم ولا يؤمن شرهم.
ولأجل ذا ـ عباد الله ـ، كان المسلمون بعامة في حاجة ماسة إلى جمع الشمل، ولم الشعث، وإدارة كل دولاب وجابية، لتصب المساقي، وينهل الناس مع بعضهم صفوا.
وإن من أعظم ما يحقق ذلك عباد الله، وأجل ما يبعث الوئام في النفوس، وما يسترضى به الغضبان، ويستعطف السلطان، ويسل السخائم [1] ويدفع المغارم، ويستميل المحبوب، ويتقى به المحذور بعد الله، الهدية الهدية، الهدية التي تزيل غوائل الصدور وتذهب الشحناء من نفوس الناس، فالهدية حلوة، وهي كالسحر تختلب القلوب، وتولد فيها الوصال وتزرعها وداً، ناهيكم عن كونها مكساة للمهابة والجلال، وهي في أوجز عبارة، مصائد للقلوب بغير لغوب، ولا غرو ـ عباد الله ـ في ذلك فأصل الكلمة من الهدى، والهدى بمعنى الدلالة والإرشاد، فكأنها تهدي القلب وترشده إلى طرق المودة والتآلف.
الهدية ـ عباد الله ـ هي تمليك عين للغير على غير عوض، فإن كانت لطلب الأجر المحض من الله غلب عليها اسم الصدقة، وإن كانت لغير ذلك فهي من ذلك - أي الهدية، وهي مشروعة بين المسلمين؛ عملا بقول النبي: (( تهادوا تحابوا ) ) [أخرجه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي بسند حسن] [2] ، وفي رواية للترمذي: (( تهادوا، فإن الهدية تذهب وَحَرَ الصدر ) ) [3] .
والتهادي بين النبي وأصحابه أمر معروف مشهور ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة، كما أن النبي رغب في قبولها والإثابة عليها، وكره ردها لغير مانع شرعي، مهما كانت قليلة أو محتقرة، فلقد قال: (( ولو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت ) ) [رواه البخاري] [4] ، وللطبراني من حديث أم حكيم الخزاعية قلت: يا رسول الله تكره رد الظلف؟ قال: (( ما أقبحه! لو أهدي إلي كراع لقبلته ) ) [5] .
وعند البخاري في صحيحه، أن رسول الله قال: (( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ) ) [6] والفرسن: عظم قليل اللحم.
ففي هذا كله الحض على قبول الهدية ولو قلّت؛ لما في ذلك من التأليف والتآلف، ولو كانت يسيرة ؛ لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت، كما أن اليسير إذا تواصل صار كثيرا، والقليل من صاحب الود لا يقال له: قليل، فتقع المودة ويسقط التكلف.
ويزداد الأمر تأكيدا على عدم رد الهدية، إذا كانت إحدى ثلاث أشار إليها النبي في قوله: (( ثلاث لا ترد، الوسائد والدهن واللبن ) ) [رواه الترمذي] [7] ، والدهن هو الطيب.
وحاصل الأمر ـ عباد الله ـ أن العاقل الحصيف، من يستعمل مع أهل زمانه شيئا من بعض الهدايا بما قدر عليه لذي رحمه الأقرب فالأقرب، ولجيرانه أقربهما منه بابا، لاستجلاب محبتهم إياه، وإن كان عنده الشيء التافه فلا يجب أن يمتنع من بذله، لاستحقاره أو استقلاله؛ لأن أهون ما فيه لزوم البخل والمنع، ومن حقّر شيئا منعه؛ بل يكون عنده الكثرة والقلة في الحالة سِيَّيْن، لأن ما يورث الكثير من الخصال، أورث الصغير بقدره من الفعال، وإن البشر طراً مجبولون على محبة الإحسان وكراهية الأذى، واتخاذ المحسن إليهم خلا وفيا، واتخاذ المسيء إليهم عدوا بغيضا.