فهرس الكتاب

الصفحة 2353 من 9994

#التشبه

الخطبة الأولى

أما بعد. .

ياأيها المؤمنون اتقوا الله تعالى واشكروه على أن جعلكم من خير أمة أخرجت للناس، فإن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - هي خير أمة وحزبه هم أعز حزب قال الله تعالى: ?وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ? (1) .

فعزتنا أيها المؤمنون مستمدة من عزة الله القوي العزيز فهي عزة دائمة دوام الليل والنهار لا يرفعها تأخر حضاري ولا تراجع علمي ولا انكسار عسكري ولا تقهقر مادي بل نحن الأعزاء بالله تعالى إن صدقنا الله تعالى في إيماننا وعبوديتنا له قال الله تعالى: ?وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين? (2) . وقد قال الأول:

ومما زادني شرفاً وتيهاً ... ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي ... ... وأن صيرت أحمد لي نبيا

وتأكيداً لهذه العزة وهذا التميز لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد نهى الله تعالى المؤمنين عن اتباع سبيل الكافرين من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم من أمم الكفر فنهى الله أهل الإسلام عن التشبه بالكفار وعن تقليدهم والتبعية لهم فقال جل وعلا: ?وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ? (3) وقال: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً? (4) . ولاشك عند أولي الأبصار أن تقليد الكفار والتشبه بهم من أعظم صور الطاعة لهم، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مشابهة الكفار في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد عن ابن عمر مرفوعاً: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) (5) وفي هذا الحديث غاية التحذير ومنتهى التنفير عن مشابهة الكفار، كيف لا وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من تشبه بالكفار منهم نعوذ بالله من الخذلان وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيان خطورة التشبه: (( ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى ) ) (6) ومن علامات تمييز هذه الأمة عن غيرها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علل كثيراً من الشرائع والأحكام بمخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الكفر مما يدل على أن مخالفة الكافرين مقصد نبوي شرعي فمن ذلك مثلاً ما أخرجه مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه مرفوعاً: (( خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم ) ) (7) وقال أيضاً: (( خالفوا المشركين وأحفوا الشوارب وأعفوا اللحى ) ) (8) وهذا قليل من كثير في السنة المطهرة ومما يدل على أهمية مخالفتهم وأن مخالفتهم هي سبب الخيرية في الأمة بل سبب لعلو الدين وظهوره بأنه قال: (( لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون ) ) (9) . ومن تأمل كلام أهل العلم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم علم علماً لا يدخله شك ولا ريب إجماعهم على النهي عن مشابهة الكفار ووجوب مخالفتهم. وذلك لكثرة النصوص الواردة بذلك.

أيها المؤمنون الحريصون على أن تلقوا ربكم بقلوب سليمة استمعوا إلى ما قاله الحبر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: (( وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب أو أشد، ومتى كان القلب مريضاً لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة وإنما الصلاح أن لا تشبه مريض القلب في شيء من أموره ) )وبهذا يتبين أن مخالفتهم في جميع الشؤون مقصودة للشارع، فليس النهي عن مشابهتهم في عباداتهم أو عقائدهم فقط بل هو عام في عاداتهم وآدابهم وأخلاقهم وجميع شؤون حياتهم قال ابن القيم رحمه الله: (( ومن تشبه بالإفرنج في لباسهم ونظمهم ومعاملاتهم فهو بلا شك إفرنجي غير مسلم وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ) ).

(1) المنافقون: 8.

(2) آل عمران: 139.

(3) المائدة: 48.

(4) الأحزاب: 1.

(5) أخرجه أحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً برقم 5093 وأخرجه أبو داود في اللباس برقم 4031.

(6) أخرجه الترمذي في الاستئذان والآداب من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص برقم 2695.

(7) أخرجه أبوداود في الصلاة برقم 652.

(8) أخرجه مسلم في الطهارة من حديث ابن عمر رضي الله عنه برقم 259.

(9) أخرجه أبوداود في الصوم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 2353 وأخرجه أحمد مرفوعاً برقم 27218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت