فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
• وأسمعَ رجلٌ أبا الدرداء رضي الله عنه كلاماً, فقال:"يا هذا لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعاً فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه".
• قال الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى لابنه:"يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه, فإن أنصفك وإلا فاحذره".
• قال الشاعر:
إذا كنت مختصاً لنفسك صاحباً
فمن قبل أن تلقاه بالود أغضبه
فإن كان في حال القطيعة منصفاً
وإلا فقد جربته فتجنبه
• روى عطاء بن السائب عن أبيه قال:"صلى بنا عمار بن ياسر رضي الله عنه صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء ثم جاء فأخبر به القوم: اللهم بعلمك الغيب, وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي, وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة, وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب, وأسألك القصد في الفقر والغنى, وأسألك نعيماً لا ينفد, وأسألك قرة عين لا تنقطع, وأسألك الرضاء بعد القضاء, وأسألك برد العيش بعد الموت, وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غي ضراء مضرة ولا فتنة مضلة, اللهم زينا بزينة الإيمان, واجعلنا هداة مهتدين"
قد تستغرب من هذا العنوان: جائع وحبوب فتح الشهية..!!
فما حكاية الأمر؟!.
وما خبر القضية؟!.
القصة باختصار: لو أن رجلاً جاء إلى منزله والجوع يقطّع أمعاءه، ويمزق أحشاءه، فطلب من أهله الطعام.. فلم يجد شيئاً، وبحث هنا وهناك، ولكن دون جدوى.. وما زاده البحث إلا جوعاً.
وهنا أشارت عليه زوجته باختراع عجيب.. وبأمر غريب.. وقالت له: أذهب إلى الصيدلية واشترِ دواءاً لفتح الشهية!.
يا سبحان الله!.
الآن الرجل يتضوّر جوعاً.. ثم توصيه زوجته بحبوب فتح الشهية؟!.
الرجل لا يكاد يجد لقيمات يقمن صلبه، وزوجته تقول له: تناول حبوب فتح الشهية؟!.
فيا ترى ماذا سيحدث لو أكلها؟!.
هل سيهدأ جوعه، ويسكن لهثه؟!.
أم سيزيد الطين بلة، والمرض علة؟!.
إنّ حال هذا الإنسان مع تلك المرأة هو نفسه حال أولئك الشباب الذين تتفجر غرائزهم شهوة، وتلتهب منها نفوسهم، ومع شدة هذا السعار، يذهب أقوام من الشباب ليزيدوا النار اشتعالاً، فيشاهدوا تلك القنوات الفضائية الفجة، ويتابعوا المجلات والصور الهابطة!.
وهذه الأفلام وتلك الصور هي بمثابة حبوبٍ لفتحِ شهية ذلك الشاب الذي يتضوّر جوعاً!.
إنّ الشرع والعقل والفطرة تقتضي كلها أن يتعامل الإنسان مع هذه الشهوة بما أراده الله تعالى له، وهو سبحانه قد فطره، فهو أعلم بحاله وما يناسبه؛ ولذا أمر الله بغضّ بصره فقال الله سبحانه في سورة النور: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) وأمر سبحانه باتقاء فتنة النساء، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن الدنيا حلوة خضرة؛ وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم:"ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" (2) .
وأمر من استطاع من الشباب أن يتزوج، وإلا فعليه بالصوم فقال:"يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (3) .
ومن رحمة الله بالعبد أن المرء إذا غض بصره عن الحرام، أورثه الله تعالى حلاوة يجدها في قلبه وسعادة يشعر بها في نفسه.
وما أجمل ما قاله الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله حيث يقول:"جوهر المسألة أنّ الله غرز في نفس الرجل الميل إلى المرأة ليصل إليها بالزواج بالرباط الثابت، الذي يتحول إلى مودة ورحمة، وصداقة باقية بقاء العمر، ويثمر الذرية الصالحة، فيكون (وسيلة إنتاج) أمة جديدة صالحة، لا ليصل إليها بالنزوة العارضة، التي تطفئ غلة الشوق، لكن لا تدوم ولا تنتج. فأراد هؤلاء القوم أن يصرفونا عن وضع هذه القوة مواضعها، وأن يحولوها من وسيلة منتجة، إلى طاقة مهدورة."
كمن يأتي إلى محطة الكهرباء، التي تنتج القوة الهائلة, فبدلاً من أن يستعملها في إدارة المصانع، وتسيير القطارات، وفي النافع المفيد، يستعملها في إطلاق صواريخ العيد، وتحريك مراكب التسلية في (اللونابارك) .
إنّ أعداء الإسلام دخلوا علينا من بابين: باب الشبهات، وباب الشهوات، والشبهات أخطر بنتائجها، لأنها تؤدي إلى الكفر، ولكن الشهوات أشد بطبيعتها؛ إذ أن الشباب لا يستجيب منهم للشبهة إلا قليل.
أما ما يثير الغرائز، ويحرك الرغبات فيلقى الاستجابة عند الجميع. وإن كان منهم من يصبر ويقاوم، ويطوي جوانحه على مثل النار الآكلة، ابتغاء ثواب الله وخوفاً من عقابه.
الأولى كالمرض الذي يقتل ولكن عدواه بطيئة، والوقاية منه ممكنه، والثانية كالمرض الذي يضني وإن كان لا يفني، ويضعف وإن كان لا يميت، ولكن عدواه سريعة، والتوقي منه صعب.
اجمع مائة شاب، واجلب لهم عشرة من أقدر الوعاظ ليلقنوهم العفاف والصيانة سنة، ثم اجلب لهم راقصة تتعرى أمامهم، تهدم هذه الراقصة في ربع ساعة، ما بناه أولئك كلهم في سنة، ذلك لأن النفوس مجبولة على هذه الشهوة.
إنها غريزة غرزها الله فيها". (4) "
ثم يذكر في موضع آخر كيف يتعامل الشاب مع هذه الشهوة فيقول:"إن الشهوة التي غرسها الله وغرزها في نفس الذكر للأنثى، والأنثى للذكر أمتن من تلك السنديانة، وتلك الدعامة، إنها غريزة، غرزتها وغرستها يد الله، فهل تنزعها أو تزعزعها يد بشر؟! وشريعة الإسلام إنما شرعها الذي خلق هذه العوالم كلها، فما كان الله ليقر فينا غريزة ثم يأمرنا بانتزاعها، ما قال لنا الشرع: اقتلوها، ولكن قال لنا: هذبوها، وما أمرنا برهبانية نقاوم فيها طبيعة الله في نفوسنا، ولكن نهانا عن إباحية تقتل أكرم صفات البشر فيها."
إن هذه الغريزة كالسيل الدفّاع الذي ينزل من شعب الجبل نزول القضاء، فلا يستطيع أحد أن يقف في وجهه إذا انطلق، وما قال لنا الله: قفوا في وجهه، ولا تركنا نهمله حتى يجرفنا ويهلكنا ويهدم دورنا، ولكن قال لنا: شقوا له الأرض شقاً، يمشي فيه تستفيدوا منه وتدفعوا عن أنفسكم أذاه" (5) ."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -رواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2742) ، والترمذي في الفتن (2191) ، وابن ماجه في الفتن (4000) ، وأحمد (3/61) .
2-رواه البخاري (4808) ، ومسلم (2740) عن زيد بن حارثة.
3-رواه البخاري.
4-فصول إسلامية ص 96.
5- (ذكريات 8/280- 283 )
في صحيح البخاري (2424) مسلم (1504) عن عائشة رضي الله عنها قالت:"جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق- في كل عام أوقية فأعينيني- فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة وأعتقك فعلت, ويكون ولاؤك لي؟"
فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها!
فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم!
فسمع بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألني فأخبرته!
فقال خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء, فإنما الولاء لمن أعتق!
قالت عائشة: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فما بال رجال منكم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟