الزهد والورع
صالح بن فوزان الفوزان
الرياض
البساتين
ملخص الخطبة
حكمة الخلق وإرسال الرسل , ووجوب المبادرة بالطاعة - أحوال ابن آدم في الدنيا: 1- نِعم تحتاج إلى شكر , وأركان هذا الشكر 2- محن وابتلاءات تحتاج إلى صبر , وأنواع الصبر 3- ابتلاء بالنفس والهوى والشيطان , وسبيل الخلاص - أهمية معرفة عيوب النفس - مراتب تعظيم الله عز وجل وعلاماتها - محبطات الأعمال - الدنيا وسرعة زوالها
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم ما خُلقتم عبثا، ولم تتركوا سُدى، خلقكم الله لعبادته، وأمركم بتوحيده وطاعته، وأوجدكم في هذه الدار، وأعطاكم الأعمار، وسخر لكم الليل والنهار، وأمدكم بنعمه وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، لتستعينوا بذلك على طاعة الله، وأرسل إليكم رسوله، وأنزل عليكم كتابه ليبين لكم ما يجب وما يحرم، وما ينفع وما يضر وما أنتم قادمون عليه من الأخطار والأهوال لتأخذوا حذركم وتستعدوا لما أمامكم، جعل هذه الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، وحذركم من الاغترار بهذه الدنيا والانشغال بها عن الآخرة، لأن الدنيا ممر. والآخرة هي المقر، وإذا لم تسر أيها العبد إلى الله بالأعمال الصالحة، وتطلب الوصول إلى جنته، فإنه يسار بك وأنت لا تدري، وعما قريب تصل إلى نهايتك من هذه الدنيا، وتقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون [المنافقون:10-11] .
ابن آدم: إنك في هذه الدنيا تتقلب بين أحوال ثلاث:
نِعَم تتوالى من الله عليك تحتاج إلى شكر، والشكر مبني على أركان ثلاثة:
الاعتراف بنعم الله باطنا، والتحدث بها ظاهرا، وتصريفها في طاعة موليها ومعطيها. فلا يتم الشكر إلا بهذه الأركان، ولا تستقر النعم إلا بالشكران.
الحال الثاني: مما يجري على العبد في هذه الدنيا من محن وابتلاءات من الله يبتليه بها، فيحتاج إلى الصبر، والصبر ثلاثة أنواع: حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى إلى الخلق، وحبس الأعضاء عن أفعال الجزع، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعر، وأفعال الجاهلية. ومدار الصبر على هذه الأنواع الثلاثة فمن وفاها فله أجر الصابرين. وقد قال الله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر:10] .
والله سبحانه لا يبتلي العبد المؤمن ليهلكه، وإنما يبتليه ليمتحن صبره وعبوديته لله، فإذا صبر صارت المحنة منحة، واستحالت البلية في حقه عطية، وصار من عباد الله المخلصين الذين ليس لعدوهم سلطان عليهم، كما قال تعالى لإبليس: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الاسراء:65] .
وقال تعالى: إنه ليس سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون [النحل:99-100] .
الحال الثالث: ابتلاؤه بالهوى والنفس والشيطان، فالشيطان العدو الأكبر، وهو ذئب الإنسان وعدوه، وإنما يغتاله ويظفر به إذا غفل عن ذكر الله وطاعته، واتبع هواه وشهوته، ولكن الله سبحانه فتح لعبده باب التوبة والرجوع إليه، فإذا تاب إلى الله توبة صحيحة تاب الله عليه وأخلصه من عدوه ورد كيده عنه.
وإذا أراد الله بعبده خيرا فتح له باب التوبة والندم والانكسار والاستعانة بالله ودعائه والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات، وأراه عيوب نفسه وسعة فضل الله عليه، وإحسانه إليه ورحمته به. فرؤية عيوب النفس توجب الحياء من الله والذل بين يديه، والخوف منه. ورؤية فضل الله توجب محبته والطمع بما عنده، فيكون بين الخوف والرجاء، ويكون من الذين يدعون ربهم خوفا وطمعا .
عباد الله: إن الإنسان إذا طالع عيوب نفسه عرف قدرها واحتقرها . فلا يدخله عجب ولا كبر، وإذا نظر في فضل ربه عليه أحبه وعظمه.
وأول مراتب تعظيم الله سبحانه تعظيم أوامره ونواهيه، وذلك بفعل ما أمر الله به من الطاعات وترك ما نهى عنه من المعاصي والسيئات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: تعظيم الأمر والنهي ألا يعارضا بترخص جافٍ. ولا بتشدد غالٍ. ولا يُحملا على علة توهن الانقياد.