فهرس الكتاب

الصفحة 6216 من 9994

وقد وضح ابن القيم كلام شيخه هذا فقال: ومعنى كلامه: إن أولى مراتب تعظيم الله - عز وجل - تعظيم أمره ونهيه، وذلك لأن المؤمن يعرف ربه - عز وجل - برسالته التي أرسل بها رسوله - - إلى كافة الناس. ومقتضاها الانقياد لأمره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله - عز وجل - واتباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالا على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والتصديق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر، فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق وطلب المنزلة والجاه عندهم، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم، وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع - - على المناهي. فليس فعله وتركه صادرا عن تعظيم الأمر والنهي ولا تعظيم الآمر والناهي.

فعلامة التعظيم للأوامر رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على فعلها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها، كمن يحزن على فوت صلاة الجماعة، ويعلم أنه لو تقبلت صلاته منفردا فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضعفا، ولو أن رجلا يعاني البيع والشراء يفوته سبعة وعشرون دينارا لأكل يديه ندما وأسفا، فكيف: وكل ضعف مما تضاعف به صلاة الجماعة خير من ألف وألف ألف وما شاء الله تعالى، فإذا فوت العبد عليه هذا الربح وهو بارد القلب فارغ من هذه المصيبة غير مرتاع لها، فهذا من عدم تعظيم أمر الله تعالى في قلبه، وكذلك إذا فاته أول الوقت الذي هو رضوان الله تعالى، أو فاته الصف الأول الذي يصلي الله وملائكته على ميامنه، ولو يعلم العبد فضيلته لجاهد عليه ولكانت قرعة . وكذلك الجمع الكثير الذي تضاعف الصلاة بكثرته وقلته وكلما كثر الجمع كان أحب إلى الله - عز وجل - وكلما بعدت الخطى إلى المسجد كانت خطوة تحط خطيئة وأخرى ترفع درجة. وكذلك فوت الخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها بين يدي الرب تبارك وتعالى الذي هو روحها ولبها، فصلاة بلا خشوع ولا حضور قلب كبدن ميت لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يهدي إلى مخلوق مثله عبداً ميتا أو جارية ميتة، فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو أمير أو غيره. فهكذا سواء الصلاة الخالية من الخشوع، والحضور، وجمع الهمة على الله تعالى فيها، فهي بمنزلة هذا العبد أو الأمة الميتين اللذَيْن يراد إهداء أحدهما إلى بعض الملوك، ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا، فإنه ليس لعبد من صلاته إلا ما عقل منها، كما في السنن والمسند وغيره عن النبي - - أنه قال: (( إن العبد ليصلي الصلاة وما كتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها ...(حتى بلغ) عشرها )).

ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه، فالرياء وإن دق محبط للعمل، وكون العمل غير مقيد باتباع السنة محبط له أيضا لقوله -: (( من عمل عملا ليس عليها أمرنا فهو رد ) ). أي: مردود على صاحبه غير مقبول عند الله تعالى. والمن بالعمل على الله مفسد له. قال تعالى: يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين [الحجرات:17] .

والمن بالصدقة والمعروف والبر والإحسان مفسد لها. قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى [البقرة:264] .

وقد تحبط أعمال الإنسان وهو لا يشعر، كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [الحجرات:2] .

وحذر المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله - - كما يجهر بعضهم لبعض وهم لا يشعرون بذلك، وليس ذلك بِرِدَّةٍ، بل معصية تحبط العمل وصاحبها لا يشعر بها .

وقد يتساهل الإنسان بالشيء من المعاصي وهو خطير، وإثمه كبير، كما قال تعالى: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم [النور: 15] .

وفي الحديث: (( إياكم ومحقرات الذنوب، فإن لها عند الله طالباً ) )، وقال بعض الصحابة: إنكم لتعملون أعمالا هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله - - من الموبقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت