ألا واعلموا.. أن من كان باكي، فليبكِ على نفسه، وما رحيل هؤلاء الأحبة إلا إنذار لنا بأننا قريبٌ عن هذه الدنيا راحلون، ولهذه الدنيا مفارقون، فهل أحسنا العمل..؟؟!!
قال تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} .
وقال صلى الله عليه وسلم:"جاءني جبريل فقال: يا محمد.. عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به".
تبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا
فهل قدمنا بين أيدينا من الأعمال الصالحة.. ما يكون سبباً في نجاتنا..؟؟!!
هل سينفعنا في قبورنا، دمعة تذرف، أو قلب ينزف ويأن..؟، لا والله!، كل هذا يزول ويتلاشى ويُنسى، ولا يبق في القبور إلا العمل، فهل أخذنا معنا من الأعمال الصالحة ما تُنوَّر به القبور وتوسع، وتكون خير أنيس؟، أم لا زلنا نخوض في الغفلة رجاء أن يحسن لنا مَن بعدنا، وقد لا يحسن، وقد يحسن ولا يقبل..
ومن هانت عليه نفسه وضيعها.. كانت على غيره أهون..
إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها ولما عَلموا أنها ليست لحي وَطَنا
جعلوها لُجةً واتخذوا صالحَ الأعمالِ فيها سكناً
نسأل الله أن يرحمنا برحمته وأن يعاملنا بفضله وإحسانه، وأن يرزقنا من اليقين ما يهون به علينا مصائب الدني، ونسأله لذة النظر إلى وجهه الكريم، والشوق إلى لقائه، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
نداء الجهاد - الشيخ سالم العجمي
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد، فهي فطرةُ الله التي فطر الناس عليها، ومفتاحُ العبودية التي دعا الأممَ إليها، وهي كلمةُ الإسلام، ومفتاحُ دارِ السلام، وأساسُ الفرض والسنة، ومن كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرتُه من خلقه، وحجته على عباده، وأمينه على وحيه، أرسله رحمةً للعالمين، وقدوةً للعاملين، ومحجةً للسالكين، وحجةً على المعاندين، وحسرةً على الكافرين، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأنعم به على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شكوراً، وأنزل عليه كتابَه المبين، الفارقَ بين الهدى والضلالِ والشكِ واليقين، فشرح له صدرَه، ووضع عنه وزرَه، ورفع له ذكرَه، وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمرَه.
فهو الميزانُ الراجحُ الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقانُ المبينُ الذي باتباعه يُميز أهلُ الهدى من أهل الضلال، ولم يزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم مشمرا في ذات الله تعالى، صادعا بأمره، إلى أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد.
فأشرقت برسالته الأرضُ بعد ظلماتِها، وتألفت به القلوب بعد شتاتِها، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته واهتدى بهديه وسلم تسليما كثيراً.
وبعد.. عباد الله..
فقد صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا تبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا يرفعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم".
وإن الناظر إلى أحوال أمتنا الإسلامية ليرى في هذا الحديث العظيم دليلا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم وعلما من أعلامها، فإنه يتحدث عن واقع تعيشه هذه الأمة الممزقة التي ابتعدت عن دينها وتبعت الطرق المردية.
والمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا تبايعتم بالعينة": وصف لذلك البيع المحرم الذي انتشر بين صفوف كثير ممن يدعون الإسلام وقد دخلهم النقص والإخلال في دينهم، والإقلال في اتباع سنة نبيهم صلوات ربي وسلامه عليه، وذلك لضعف يقينهم بالله جل وعلا، ولأنهم أُناس طمعوا في هذه الدنيا وركنوا إليها، وخلفوا الآخرة وراء ظهورهم فتبايعوا بهذا البيع المحرم.
وبيعُ العينة: هو أحد المعاملات الربوية، وصورته: أن يأتي أحد الناس إلى آخر فيشتري منه سلعة.. أيَّا كانت هذه السلعة.. سواء كانت سيارة، أو فرشة، أو كرسي، فيبيعه هذه السلعة بثمن مؤجل فيقول: أبيعك هذه السلعة بثمن مؤجل بخمسة آلاف مثلاً، ثم يذهب هذا الفرد المشتري فيكتب له إقراراً بأنه مُدان لفلان بمبلغ خمسة آلاف، ثم يأتي نفس هذا الشخص الذي باع هذه السلعة فيشتريها من الرجل بثمن حالٍ حاضر أقل مما كتبه عليه بثلاثة آلاف مثلا.
فهو في هذه الحالة باع هذه السلعة بثمن مؤجل مؤخر كبير بخمسة آلاف، ويكون ثمن السلعة المباعة أغلى من ثمنها الحقيقي بالطبع، واشتراها بثمن حاضر رخيص.
باعها البائع بثمن مؤجل بخمسة آلاف، وكتب عليه إقراراً بخمسة آلاف في ذمته، ثم اشتراها منه هو نفسه في نفس المجلس بثلاثة آلاف دينار.
وما هذا البيع إلا من باب الاحتيال على الربا وإلا فالمشتري أصلا لا يريد السلعة، والبائع لا يريد بيعها، ولكن كل هذا من أجل الحيلة على الربا.
فهذا هو بيع العينة وهو بيع محرم، وهو من البيوع الربوية المحرمة.. والتي من تعامل بها فقد آذن بحرب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون} ، كما ورد فيه الوعيد الشديد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فعن جابر رضي الله عنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكلَ الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال هم سواء".
وقد حذر صلوات ربي وسلامه من التعامل في الربا وبين أن من أتاه فقد فتح على نفسه أبوابا من العذاب، فقال صلى الله عليه وسلم:"إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذابَ الله".
وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذا الوقت الذي انتشر فيه بيع العينة، وأصبح كثير من الناس يتحرى حصول المال دون الالتفات إلى حله أو حرمته.. المهم أنه يقبض المال سواء كان هذا المال من حلال أو من حرام فلا يهم.
ولا أظن أنه هذه الصورة تحتاج إلى كبير بسط، فقد كَثُرَ المتعاملون بها، لا كثَّرهم الله، ونسأله سبحانه وتعالى أن يسلط عليهم تسليطا من عنده، حيث إنهم استغلوا المسلمين ودمروا بيوتهم، وبعضهم يكتب على الناس الشيكات بالمبلغ العالي، ثم يأتيه فيهدده فيأخذ بيته وبيت أولاده بثمن قليل.
فهذا المرابٍي وأمثاله لا يجوز التعامل معهم في هذه الصورة ويجب تحذير المسلمين منهم لأنهم وباء، وإذا أراد المسلم مالا أو احتاج فيذهب ويستدين، ولا يلجأ لبيع العينة، ولا يقول لم أجد من يعطيني..
وواللهِ إن علم اللهُ صدقه يسر له، قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} .