فبيع العينه حرام لأن هذا البيعَ ليس مقصودا فيه البيع، إنما الذي اشترى السيارة لا يريد أن يستعمل السيارة، ولكنه يريد أن يحصل على هذا المبلغ، فيشتريها من الرجل ويبيعها عليه، إذن المقصود المال يأخذ مبلغا من المال حاضرا ويسدده مؤجلا بزيادة، إذن هذه الصورة ما هي في الحقيقة إلا حيلة للربا، وحَرِّيٌ بهؤلاء أن يمسخهم الله سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا لمّا احتال بنو إسرائيل مسخهم قردة، لأن القرد أشبهُ ما يكون خلقةً في الإنسان مع بعض الفرق، وهؤلاء حَرِّيٌ بأن يمسخهم الله لأنهم تعاملوا بالحيل، يظنون أنها تخفى على عالم الغيب والشهادة؟؟؟
سبحانه وتعالى عما يظنون.. {وربك يعلم ما تُكن صدورهم وما يعلنون} .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"وتبعتم أذناب البقر"فالمقصود فيه أن الإنسان يعمل بالحرث وهذه الوظيفة وإن كانت حلالا فإن فيها شيئاً من الذلة.. فإن العرب كانوا يركبون الخيول ويفخرون بها، ويسابقون عليها، ويرون أن من كانت عنده فرسا فقد ملك مالا عظيما، وبعد هذا انتهى بهم الحال إلى الذلة أن تبعوا أذناب البقر، يحرثون عليها ويتقوتون، إذاً ركنوا إلى الدنيا.. بوظيفة تدل على دنو الهمة، فذلك صاحب العينة ركن إلى الدنيا بحرام، وهذا ركن إلى الدنيا بشيء من الذلة والوضاعة.
"وتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع"أي أن الإنسان يريد الدعة ويريد الجلوس والهدوء في بيته ولا يريد أن يرفع بالدين رأساً.
"وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلاًّ لا يرفعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم"والجهاد عباد الله إما أن يكون جهاد المنافقين، أن يجاهد المسلم المنافقين بيده ولسانه وقلمه وماله وهذا هو جهاد خاصة عباد الله والعلماء وورثة الرسل، وإما أن يكون جهاد المعارك جهاد السيف والسنان، وهذا يدخل فيه جميع الناس.
وكأنه صلوات ربي وسلامه عليه لما أشار لنا في ذلك الحديث السابق على بيع العينة وعلى اتباع أذناب البقر، كأنه يقول إذا أردتم أن تجاهدوا فيجب عليكم أولاً أن تصلحوا أحوالكم مع الرب سبحانه، وهذه إشارة إلى أن المسلم الذي يريد الجهاد يجب عليه أن يصلح الحال، إذاً الجهاد ليس بالمؤتمرات التي يَخطب بها العلمانيون والفساق والفاسقات اللاتي يكتبن الروايات الجنسية كما نرى، والجهاد ليس بالمسيرات التي يختلط بها من يزعم أنه يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فيختلط مع أعداء الله ورسله من المنافقين، والذين يسبون الصحابة ويلعنونهم ويتهمون عِرض عائشة رضي الله عنها، المطهرة من فوق سبع سماوات ممن له مآرب سياسية في المسيرات....، ليس هذا هو الجهاد، والجهاد ليس بإقامة الاوبيريتات الغنائية الفاسدة ومحاولة إقناع التائبين ممن تابوا من الغناء داعية الفجور حتى يعودوا إليه، كما فعله ذلك الفاسق الخبيث الذي يمثل دور الداعية وهو حليق اللحية ويلبس البدلة الإفرنجية وقد فُتن به بعض أصحاب القلوب المريضة وجعلوا له مكانة وأقاموا له المحاضرات وهو لم يتزيّ بزي الإسلام الظاهر بل بزي الفساق والذي يقوم مجتهدا ـ هذه الأيام ـ بكل وقاحة وقلة حياء بمحاولة إقناع إحدى الفنانات التائبات للرجوع للغناء في أوبريت يضم الفساق والمجنة ممن ينشرون الرذيلة بين صفوف المسلمين، فهذا وأمثاله أولى بالجهاد، وجهاد هذا ومن شابهه وبيان حالهم للناس من أعظم الجهاد لأنهم يلبسون الدين ما هو منه بريء ويطعنون بالدين باسم الدين، ويفتحون عليه أبوابا من الشر ويخرقون فيه خروقا لا ترتق.
إذن فالذي يريد الجهاد، عليه أولا أن يجتهد في إصلاح حاله.. (لأن من خان حي على الصلاة.. خان حي على الجهاد) .
والذي يريد الجهاد يجب أن يصلح الحال في إقامة التوحيد، وعبادة الله سبحانه وتعالى، وأن يفرد الله بالعبادة لا يشرك معه غيره.
يقول أبو واقد الليثي رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حُدثاء عهد بكفر، فمررنا بسدرة يعكف عندها الكفار وينوطون بها أسلحتهم، (يعني يعلقون السيوف تبركاً ورجاء النصر) ، فقلنا يا رسول الله.. اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال صلوات ربي وسلامه عليه:"الله أكبر.. إنها السنن قلتم ـ والذي نفسي بيده ـ كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة"..
فتأمل..
النبي في زحمة المعارك والقتال، وقد بلغ الأمر مبلغه، وكان صلى الله عليه وسلم محتاجاً لكل نفر، ومع ذلك لما وقع منهم شيء يقدح بالتوحيد والعقيدة أنكره عليه الصلاة والسلام، ولم يقل لأجاهد بهم أولاً ثم بعد ذلك أعلمهم التوحيد.
لا.. لم يقل ذلك...
لأن الجهاد أصلا لم يُشرع إلا من أجل تحقيق التوحيد وشهادة ألا اله إلا الله وحده لا شريك له... هذه الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه وشرع شرائعه، ولأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، وهي الحق الذي خلقت له الخليقة وعنها وعن حقوقها السؤالُ والحسابُ، وعليها يقع الثواب والعقابُ، وعليها نصبت القبلة وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد وهي حق الله على جميع العباد، فهي كلمة الإسلام ومفتاح دارِ السلام وعنها يسأل الأولون والآخِرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فجواب الأولى بتحقيق لا إله إلا الله معرفة وإقرارا وعملاً، وجوابُ الثانية بتحقيق أن محمدا رسول الله معرفةً وإقراراً وانقيادً وطاعةً.
إذاً الذي يريد الجهاد يصلح العقيدة أولاً، والذي يريد الجهاد يجاهد الجهاد الشرعي (لا الجهاد العاطفي) فيريد أن يقاتل قومية، لا... لأننا إذا قاتلنا هؤلاء اليهود وغيرهم إنما نقاتلهم لعقيدة ودين، دينُنا يرتفع وهو دين الإسلام، ودينهم يذل لأنه دينُ البطالين الذين حرّفوا به.
فنحن لا نقاتل الكفار من أجل قومية عربية وإن كان من تحت لوائها كافرا كما ترى من واقع الكثير فإنه حينما يطالب بقتال الكفار لا يدفعه لذلك إلا العروبة دون النظر لاختلاف الدين، وأما المسلم فيعلم أننا بقتالنا للكفار إنما يدفعنا لذلك إقامة دين الإسلام العظيم ونشره بين صفوف البشرية، ولذلك لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ مقنع بالحديد، فقال يا رسول الله أقاتل أوأسلم؟؟ قال أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقُتل، فقال رسول الله: صلى الله عليه وسلم:"عمل قليلا وأجِر كثيرا".
والذي يريد الجهاد لا بد أن يقيم أوامر الله ويبتعد عن نواهيه.... فيقيم الصلاة ويحافظ عليها مع المسلمين، ويقيم الصيام ويحافظ عليه، ويؤدي الحج، ويؤتي الزكاة، ويؤتي ما الله جل وعلا أمر به، ويحذر وينتهي عما نهى الله عنه، هذا الذي لا بد أن يفعله من أراد الجهاد.
والجهاد إخواني له فضل عظيم، سواء كان الجهاد في محاربة أهل النفاق الذين يُلَبِّسون على الناس دينهم والذين كَثُرت مقالاتهم في الصحف ليلَ.. نهار.