فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
(( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْن ) ) (آل عمران: من الآية139) , وإن بشائرَ النصرِ قد لاحت, ومعالمَ العزةِ قد بدت, والعدو يخسرُ بالمئات, ولولا التعتيم الإعلامي لظهرت حقيقةُ المعركة, وظهرت حقيقةُ العدو, ومقدارُ خسائره.
وختاماً أيها المسلمون: فإنه لا يكشفُ البلوى سوى الله, ولا خاب من احتمى بحماه، انصروا إخوانكم بدعواتكم الخالصة الصادقة, وارفعوا أكفَّ الضراعةِ بالعشي والإبكار, ولا تقنطوا, فهاهي تباشير دعواتكم بدأت تلوحُ، طائرات تسقطُ, وجنودٌ تجندل, ودباباتٌ تُحرق, وعدو عن التقدم عاجز, وقولوا من قلبٍ صادقٍ مخبتٍٍ موقنٍ، اللهم يا جبار, يا قهار, نسألُك بعزك الذي لا يُرام, يا عزيزُ يا ذا انتقام, يا من على عرشه استوى, يا من قهرَ كل القوى, يا من لا يَرضى بالظُلم، يا من أرحمُ بعباده من الأم, نسألُك ونتوسلُ إليك, ونرفعُ أكفَّ الضراعةِ إليك, في هذه الساعة التي تُرفع فيها الدعوات وتضج بها المساجد, وتجأرُ فيها القلوب إلى خالقها, ونسألك بقلوبٍ واثقةٍ بنصرك, واثقةٍ من وعدك, ونسألُك بقلوبٍ واثقةٍ بنصرك, واثقةٍ بوعدك, مؤمنةٍ بقوتك وقهرك, وندعوك يا ملاذنا عند المحن, وأملُنا عند الشدائدِ والمحن, ننادي بدعوات ممزوجة بالدموع والعبرات، نسألُك اللهم أن تريَنا في أمِّ الكفر وحلفائها عجائب قدرتك, اللهم اشدد عليهم وطأتك, وارفع عنهم عافيتك, وأحلل عليهم نقمتك, اللهم أرنا فيهم المثُلات, اللهم صبَّ عليهم عذابك صبَّا, واقذف في قلوبهم ذلاً ورعباً ، اللهم شتت شملهم, وفرق جمعهم, واجعل بأسهم بينهم, واجعل قوتهم وبالاً عليهم, اللهم أغرقهم بطوفانٍ من الأرض, وأحرقهم بصواعقٍ من السماء, اللهم أقرَّ عيوننا بذُلهم وصغارهم وهوانهم, اللهم عاجلهم بالعقوبة والعذاب, اللهم أرسل عليهم الطوفانَ والجرادَ والقُمل والضفادعَ الدمَ, اللهم أقرَّ عيوننا بجنودهم مجندلين فوق الرمال, ومشتتين بين الجبال, ومأسورين بالحبال, اللهم اشدد عليهم وطأتك, اللهم اخسف بهم الأرض، اللهم أرسل عليهم ريحاً صر صراً عاتية .
أما بعد:
فأوصي نفسى وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين. قال تعالى: (( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ) ) (النساء: من الآية131) .
إخوة الإيمان: وحديثي إليكم عن شئ من أحكام الحج وأخطاء الحجاج.
وأبدأ الحديث مذكراً بأهم أمر ينبغي أن يتذكره المسلم ويتمثله في كل عبادة لله - ومنها الحج - ألا وهو إخلاص العمل لله، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وعبادة الله وفق ما شرع الله، فلا رياء ولا سمعة، ولا جهل، ولا إخلال بالسنة، أولئك هم الذين يرجون لقاء ربهم، وأولئك هم الذين يتقبل الله أعمالهم. قال تعال: (( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف: من الآية110) . (( إنما يتقبل الله من المتقين ) ) [المائدة:27] .
وحري بمن عزم على السفر على الحج أن يوصي أهله بتقوى الله، وأن يكتب وصيته، وماله وما عليه، وأن يبادر التوبة النصوح، ورد المظالم وقضاء الديون، لأنه لا يدرى ما يعرض له، كما أن عليه اختيار الرفقة الصالحة، ومعرفة أحكام السفر والحج .
فإذا وصل الميقات سن له أن يغسل ويتنظف، ويأخذ من شعره وأظافره ما يحتاج إلى أخذ، ليس هذا من خصائص الإحرام، ولكنه مطلوب عند الحاجة، وهو سنة، ولذا قال بعض أهل العلم، أما من كانت له أضحية وعزم على الحج فإنه لا يأخذ من شعره وأظافره إذا أراد الإحرام، لأن هذا سنة، فيرجح جانب الترك المنهي عنه على جانب الأخذ المسنون، وهذا بخلاف التقصير أو الحلق للعمرة أو للحج فإن ذلك نسك فلا بد منه .
فإذا اغتسل، وتنظف، وتطيب في جسده - دون إحرامه - ولبس ثياب الإحرام استحب له أن يحرم عقيب صلاة مفروضة إن كانت، وإلا فيس للإحرام صلاة تخصه كما رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله .
واستحب له كذلك قبل الدخول في الإحرام أن يحمد الله، ويسبحه، ويكبره، لحديث أنس رضي الله عنه، وفيه: (( ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استوت به راحلته على البيداء، حمد الله، وسبح، وكبر، ثم أهل بحج وعمرة ) ).
وهذا من السنن التى قلّ من يتفطن لها، ولذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ( وهذا الحكم وهو استحباب التسبيح، وما ذكر معه قبل الإهلال قلّ من تعرض لذكره مع ثبوته) .
ثم ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريد، فإن كان قارناً قال: لبيك عمرة وحجاً، وإن كان متمتعاً قال: لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج، وإن كان مفرداً قال: لبيك حجة .
ومعنى التمتع أن يحرم بالعمرة ثم يفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه، وعليه هدي كما أن عليه طوافاً وسعياً للعمرة، وطوافاً وسعياً آخر للحج، ولكثرة أعماله وأمر النبي صلى الله عليه وسلم به أصحابه، اعتبره عدد من العلماء أفضل أنواع النسك .
أما القران فمعناه أن يحرم بالحج والعمرة جميعاً، وعليه هدي كالمتمتع، وليس عليه إلا سعي واحد بين الصفا والمروة، فإن سعى مع طواف القدوم كفاه عن سعي الحج مع طواف الحج أيام التشريق، لأن هذا الطواف ركن في الحج لجميع الحجاج لا يبدأ إلا في يوم العيد.
أما الإفراد فهو أن يحرم بالحج وحده، وليس عليه هدي، أما في الطواف والسعي فهو مثل القارن ليس عليه إلا سعي واحد، أما الطواف فيلزمه طواف الحج في أيام التشويق، ولو طاف للقدوم .
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الحجاح إعلانهم النية، كأن يقول: اللهم إني نويت الإحرام بالحج متمتعاً أو قارناً أو مفرداً، فهذا لا ينبغي لأن النية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك، كما تنازعوا هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة؟ والصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسلمين شيئاً من ذلك، ولا كان يتكلم قبل التكبير بشيء من ألفاظ النية، لا هو ولا أصحابه .
وهذا التلفظ بالنية المنهي عنه غير رفع الصوت بالتلبية في النسك الذي يريد - كما تقدم - فهذا مطلوب، فيكتفي الحاج المتمتع بالقول لبيك عمرة متمتعاً بها إلى الحج، والقارن: لبيك عمرة وحجاً، والمفرد: لبيك حجاً.
ويسن رفع الصوت بالتلبية للرجال، وتخفيها النساء، وهي من شعائر الحج، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مامن ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر حتى تنقطع الأرض من هنا وهناك ) ).
قال عليه الصلاة والسلام: (( أمرني جبريل برفع الصوت في الإهلال فإنه من شعائر الحج ) ).
فإذا وصل الحاج إلى البيت قدم رجله اليمنى، وقال ما ورد عند دخول المسجد، ثم قصد الحجر إن تيسر له ذلك دون مزاحمة، وإيذاء الآخرين، وقبله وإلا استلمه بيده اليمنى، فإن لم يتيسر له يبدأ الطواف قائلاً: ( بسم الله ، والله اكبر) اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك وإتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم .
ويكثر من الدعاء والذكر وتلاوة القرآن بقلب خاشع متأمل، وليس للطواف أدعية مخصوصة بكل شوط.
ومن أخطاء الحجاج أنهم يصطحبون معهم حال الطواف أدعية مكتوبة قد لا يفقهون معناها، بل ولا يحسنون نطقها، ولو أنهم دعوا بما عرفوا ويفقهون لكان أولى لهم وأحرى باستجابة دعائهم.