فإذا وصل إلى الركن اليماني استلمه من غير تقبيل إن تيسر، يقول بين الركنين: (( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ) (البقرة: من الآية201) .
وكلما مر بالحجر الأسود كبر مرة واحدة، وأشار إليه بيده اليمنى إن لم يتيسر تقبيله ولا استلامه.
وهنا خطأ يقع فيه كثير من الحجاج وهم يقبلون أو يستلمون أنهم يتمسحون بجوانب من البيت أو المقام،
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين فإن النبي صلى الله عليه وسلم استلمهما لأنهما على قواعد إبراهيم ، والآخران هما في داخل البيت .. وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم، وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين كحجرة نبينا صلى الله عليه وسلم، ومغارة إبراهيم .. وصخرة بيت المقدس فلا تستلم ولا تقبل باتفاق الأئمة (1) .
ويستحب في طواف القدوم الاضبطاع والرمل والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت أبطه الأيمن وطرفه على عاتقه الأيسر، فيكون المنكب الأيمن مكشوفا إظهارا للجلادة في مقام العبادة، ويظن البعض أن الاضبطاع من حيث يحرم إلى أن يخلع ثياب الإحرام، وإنما محله الطواف فقط، قال ابن عابدين: ( والمسنون الاضطباع قبيل الطواف إلى انتهائه لاغير) .
أما الرمل فهو إسراع المشي مع تقارب الخطاة من غير وثب ، وهو في الأشواط الثلاثة الأولى فقط إن تسير، فإذا فرغ من الطواف سوى رداءه وصلى ركعتي الطواف خلف المقام، أو في أي مكان من البيت إن لم يتيسر، يقرأ في الأولى (الكافرون) وفي الثانية ( قل هو الله احد) ويرقى عليه، ويستقبل القبلة ويوحد الله ويكبره ويقول: لا اله إلا الله وحده لا شريك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير، لا اله إلا الله وشريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده - يكرر هذا ثلاث مرات، ويدعو بين ذلك رافعا يديه - كما ثبت ذلك من حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم رقم (1218) .
وهذا الذكر والدعاء قلّ من يتمسك به مع ثبوته .
ثم يسعى إلى المروة، ويسرع بين العلمين الأخضرين ، ويدعو ويذكر الله بما شاء، أو يتلو القرآن، ومن الأدعية الثابتة في السعي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما ، ( رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم ) (3) .
وعلى الحاج أن يتذكر بشكل عام عظمة هذه المشاعر وهو يؤديها، فلا يتحرك جسمه، وقلبه سارح عن الهدف والحكمة منها، وفي السعي مثلا، قال أهل العلم في حكمته:
1 -أن يشعر الساعي بأن حاجته إلى الله وفقره إلى خالقه كحاجة وفقر أم إسماعيل عليه السلام في ذلك الوقت الضيق والكرب العظيم.
2 -وليتذكر أن من كان يطيع الله كإبراهيم عليه السلام، لا يضيعه، ولا يخيب دعاءه، وهذه حكمة بالغة ظاهرة دل عليها حديث صحيح ـ كما قال الشنقيطي رحمه الله ـ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) ) (البقرة:197) .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوة الإيمان: فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن، أحرم من لم يكن محرما بالحج، فإذا كان فجر التاسع تحرك الحجاج إلى عرفات (( والحج عرفة ) )كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والوقوف بها يبدأ من زوال الشمس إلى تحقق الغروب ، وينبغي التأكد من الوقوف بعرفة، فإن بطن عرنة ليست من الموقف، ولا يجوز للحاج أن ينصرف إلا بعد تحقق الغروب وينبغي استشعار عظمة هذا اليوم واستثماره بالذكر والدعاء وتلاوة القرآن مع حضور القلب وخضوعه، فما رئي الشيطان أحقر ولا أذل منه في يوم عرفة إلا ما يروى في يوم بدر، ويخطئ بعض الحجاج في عدم استثمار هذا اليوم وإضاعته بكثرة الأحاديث التي لا قيمة لها، أو غيرها أولى منها، ويخطئ آخرون بإضاعة وقتهم في صعود جبل الرحمة، فهو لا أصل له ولا فضيلة فيه، قال الشنقيطي: وما قاله الطبري والماوردي في استحباب ذلك لا يعول عليه (1) .
قال عليه الصلاة والسلام مبينا قيمة الدعاء في هذا اليوم: (( خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ) ).
فإذا تحقق الغروب سار الحجاج إلى مزدلفة ملبين بسكينة ووقار، فإذا وصلوا مزدلفة صلوا بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ثم يبيتون بها، حتى إذا أصبحوا صلوا الفجر في أول وقتها- كما جاء عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم - ثم يستقبلون القبلة يذكرون الله تعالى ويدعونه حتى يسفروا جدا، ثم يدفعون إلى منى قبل طلوع الشمس ملبين وعليهم السكينة، والمبيت بمزدلفة واجب لا ينبغي التساهل فيه، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم للضعفاء أو أصحاب الأعذار بالدفع منها بعد مغيب القمر.
فإذا وصل الحجاج إلى منى رموا جمرة العقبة - وهي أقرب الجمرات إلى مكة - بسبع حصيات، ولا يرمون غيرها في هذا اليوم.
أما اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر فيرمي الجمرات الثلاث مبتدئاً بالصغرى ثم الوسطى ثم العقبة ، وهنا عدة أمور يحسن التنبيه عليها في الرمي:
-أن الرمي كغيره من أعمال الحج لإقامة ذكر الله - كما ورد في الحديث - وهنا حكمة خاصة ألا وهي تذكر موقف إبراهيم عليه السلام حين أتى المناسك فاعترض له الشيطان في جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له في الجمرة الثالثة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون) .
فالاقتداء بأبينا إبراهيم عليه السلام مطلب، واستشعار عداوة الشيطان مطلب، كذلك الرمي بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة (1) .
من السنة بعد رمي الجمرة الأولى والثانية التوقف بعدهما للدعاء، فتلك من السنن المهملة عند كثير من الحجاج، أما جمرة العقبة فلا دعاء عندها لا يوم للنحر ولا أيام التشريق.
-ينبغي أن يتأكد الرامي من وقوع الحصى في المرمى (موضع الرمي) مجتمع الحصى لا ما سال منه ولا الشاخص ، ويخطئ من الحجاج من يرمي من بعد ، وقد تقع في المرمى وقد لا تقع، ويظهر آخرون أصواتاً عند الرمي لم ترد ، ويستخدم البعض النعال عند الضرب، وكل هذا من الجهل.
-ومن أشد الأخطاء التي تمارس حال الرمي إظهار القوة واستخدام العنف مع المسلمين مما يتسبب في مضايقة المسلمين، وربما أدى إلى هلاكهم ، فليتق الله الحجاج ، وليرفقوا بأنفسهم وإخوانهم المسلمين.
-ويتسامح بعض الحجاج في التوكيل بالرمي، ولو لم يكن هناك حاجة، والأدهى والأمّر أن بعضهم يوكل ويسافر عائدا إلى بلده، والأَولى عدم التوكيل إلا لحاجة شرعية.
ويجوز تأخير الرمي في اليوم الحادي عشر إلى اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، فيرمي عن الحادي عشر ثم يرجع ويبدأ الرمي عن اليوم الثاني عشر، وهذا أولى من التوكيل.
كما يجوز الرمي ليلاً قال النووي: ( الرمي في الليل فيه وجهان أصحهما الجواز) .