فهرس الكتاب

الصفحة 7531 من 9994

#وقفة مع النفس في موسم الطاعات

جمال سعد حاتم

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله أما بعد:

تتوالى مواسم الطاعات وتنجلي، بالأمس القريب ودعنا شهر رمضان، وها نحن نستقبل موسمًا آخر من مواسم الطاعات، فمن قصر في أيامه الخالية فعليه أن يستدرك ما فات، وأن يغتنم عمره قبل الممات، وأن يتوب إلى الله من العصيان، وأن يكون على ما يحبّ الرحمن فيما يستقبل من الزمان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه". {صحيح مسلم} فكم من مستقبل يومًا لم يكمله، وكم من مؤمل لم يدرك أمله، والأجل لا يأتي إلا بغتةً، لا يفرق بين صغير وكبير، ولا ذكر وأنثى قال تعالى: وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين *ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون {المنافقون:10-11} .

إن عالم اليوم يعيش محطات تاريخية فاصلة، تأتي أمة الإسلام في قلبها وبؤرتها، إن العالم من حولنا يعيش متغيرات وتقلبات تحتّم على الأمة أن تتوقف لتحاسب نفسها وتراجع مسيرتها، فالأمة مدعوّة وبقوّة للمراجعة والنظر مليًّا في ماضيها القريب، فأمة الإسلام محاصرةٌ من قبل أعدائها في الداخل وفي الخارج مما يستدعي وقفة عميقة وجادة لتنظر ماذا تصنع وكيف تتدبر، وكيف تقاوض، في نفس الوقت الذي يجب فيه على الأمة أن تراجع علاقاتها مع شعوبها وحكوماتها وقياداتها وأنظمتها.

مدرسة الحج عبر وفوائد!!

ومع توالى مواسم الخير ونحن على أبواب موسم الحج، وأفئدة المسلمين إلى بيت الله الحرام حيث يستعد الحجيج للتوجه إلى الأراضي المطهرة، وقلوبهم وأبصارهم تتطلع إلى أرض الله الحرام، إلى البيت المعمور، يتجهون إليه كل يوم في صلاتهم، فول وجهك شطر المسجد الحرام {البقرة:144} وأنظارهم تتطلع لبقاع مباركة تتجدد فيها العبر والعظات، قال سبحانه: فيه آيات بينات {آل عمران:97} ، الأمن والأمان في ربوعه بأمان من الله قال جل وعلا: ومن دخله كان آمنا {آل عمران:97} نفعه متعدِّ للحاضر والباد، ليشهدوا منافع لهم {الحج:28} ، الأرزاق إليه دارة، والنعم حوله متوالية قال جل وعلا: أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون {القصص:57} .

وحج بيت الله الحرام بابٌ رحبٌ لحط الأوزار والآثام يقول عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص عند إسلامه:"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؛ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟!. {رواه مسلم} "

ففيه غسل أدران الخطايا والرزايا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه". {متفق عليه صحيح البخاري ومسلم} ثوابه جنات النعيم يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". {رواه مسلم}

ومع اقتراب موسم من مواسم الطاعات واستعداد الحجيج للسفر إلى بيت الله الحرام لتأدية فريضة فرضها الله على القادر من عباده، فإن في الحج منافع وعبر وفوائد، فالتجرد من المخيط تُذكِرُ بلباس الأكفان بعد الرحيل.

وفيه إرشاد إلى التواضع ونبذ الكبرياء، الجمع كله إزار ورداء، والرأس خاضع للدّيان، هيأته الخضوع والاستكانة للرحمن، وإخلاص العمل لله وإفراده بالعبادة شعار الحجّ وبه افتتاح النُسُك"لبيك اللهم لبيك"فيها إعلان التوحيد ونبذ الشرك:"لبيك لا شريك لك لبيك"فيها تذكيرٌ بإسداء النِّعِمَ والثناء على المُنعِم:"إن الحمد والنعمة لك". ومن لبّى في بلد الله الحرام كان إلى التزام نداء الله بعد حجّه واستجابته لأوامره بعد أداء نُسُكِه أقرب.

ومع اقتراب موسم الحج ففي رؤية بيت الله المعمور مشهدٌ لإخلاص الأعمال لله. الخليل وابنُه يرفعان أشرف معمور ومع هذا يسألان الله قبول العمل وعدم رده وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم {البقرة:127} .

وللطواف وقع على القلوب ومهابةٌ في النفوس في بساط بيت الله الآمن، فلا موطن على الأرض يُتَقرَّب فيه إلى الله بالطواف سوى الكعبة المشرَّفة.

وفي تقبيل الحجر الأسود حسن الانقياد لشرع الله وإن لم تظهر الحكمة، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه"والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضرَّ، ولولا أني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك". {البخاري ومسلم} .

ومع اقتراب موسم الحج ففي مناسكه درسٌ في التقيُّد بالسنَّة وحسن الاتباع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"خذو عني مناسككم". {أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه} فعلى المسلم اتباع المصطفى في كل قربة واقتفاء أثره في كل طاعةٍ، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا {الحشر:7} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت