فهرس الكتاب

الصفحة 7951 من 9994

ما الفخرُ إلا لأهل العلم إنهُمُ على الهدى لمن استهدى إدلاءُ

وقدر كلِّ أمرئٍ ما كان يحسنُهُ والجاهلون لأهل العلم أعداءُ

فَفُز بعلمٍ تعشْ حياً به أبداً الناسُ موتى وأهل العلم أحياءُ

أيها الطلاب: تأدبّوا بآداب العلم وأقرءوا ما كتب عن فضل العلم وآداب الطلب ، واعرفوا للمعلِّم قدره ، واحترموا مَنْ تتعلمون منه واحتملوا قسوته للمصلحة:

ممن لم يحتمل ذُل التعلّم ساعةً تجرع كأس الجهل طول حياته

وحذارِ من العجب والكبر فهما خلقان ذميمان ولكنهما في أهل العلم وطلبته أقبح وأشدُّ ذماً .

والعلم حربٌ للفتى المتعالي كالسيل حرب ٌللمكان العالي

وعلى طالبِ العلم أن يثبّت علَمه بالعمل ومما أُثر عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (هتف العلم بالعمل فإن إجابة وإلا أرتحل) .

وطالب العلم قدوةٌ لغيره فعليه أن يصون نفسه على مجالس المنكر ومن يهتكون أستار الأدب

ويجتمعون على اللهو المحرم .

أيها الآباء: شجعوا أبناءكم على التحصيل العلمي وحفّظوهم كتاب الله فإنه أساس العلوم ، وحَذِّروهم من جلساء السوء، واسألوا عنهم في المدرسة وامنعوا عنهم وسائل الشر والفساد، وادعوه بالصلاح والهداية لتقرَّ أعينكم بهم وتنتفع الأمة منهم .

وإياكم - أن تركّزوا في أذهان الطلاب والطالبات بأن الرزق والوظيفة من الدراسة فحسب

بل علّموهم التوكل على الله عز وجل فكم من دارس مقير وكم من عامي غني .

إن الدراسة سببٌ لطلب العلم ورفع الجهل لمن استطاعها ووفّق إليها ، أمَّا من لم يستطيع مواصلة الدراسة ووجدَ له عملاً فلينصرف إليه بعدما أخذ من العلم الشرعي ما يقيم به دينه كما قيل: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيعُ .

أن من أولياء الأمور من يقيس أبناءه بدراستهم لا بمحافظتهم على صلاتهم .

لذا ترى اهتمامهم بدراسة الأولاد وأعظم من اهتمامه بصلاحهم وصلاتهم وعفتهم وهذا انتكاس خطير وبلاٌ كبير، فنعوذ بالله من علماً لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع .

اللهم صل على محمد وآله وصحبه.

[1] (ورداه أبن حبان والحاكم وصححه وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص 46 ) .

[2] رواه أبو داوود والترمذي وحسنه الألباني في صحيح الترغيب ص 33 .

[3] هذا ما ذهب إليه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ص 5 ـ 6 .

[4] رواه مسلم .

الحمد لله الذي أوصى بتقواه وحسن عبادته، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهد له ربه و زكّاه بحسن الخلق فقال: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) (القلم: 4) .

وأمره و أدبه فقال: (( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) ) (الأعراف: 199) .

إخوة الإسلام: السماحة و السهولة و التيسير و الجود و السخاء و كرم النفس معان كريمة متقاربة، وهي خلق من أخلاق الإسلام الفاضلة، دعى إليها و ندب لفعلها، و مارسها المسلمون في حياتهم، فحققوا السعادة لأنفسهم، و أقنعوا الآخرين بالدخول في دينهم.

عباد الله: ما أحوجنا للحديث عن السماحة في زمن التلكع والمراوغة و النصب والاحتيال والفجور في الخصومة وأكل أموال الناس بالباطل، وشدة اللجاج وكثرة الخصام، والمنازعة والضغينة لأتفه الأسباب.

قالوا عن السماحة: إنها بذل ما لا يجب تفضلا، و قالوا: إنها الجود عن كرم وسخاء، و قالوا: إنها تيسير في المعاملة، وملاينة في المحادثة، و مفاهمة جميلة، وصفح و تجاوز، وإغضاء عن الهفوات والزلّات، إنها طلاقة في الوجه، واستقبال للناس بالبشر، وحسن مصاحبة للأهل والإخوان والخدم وسائر الخلق [1] .

أيها المسلمون: والمتأمّل في القرآن الكريم يجد عددا من آياته تدعو للسماحة والعفو والصفح فهو أقرب للتقوى (( وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) )وهو فضل ينبغي الّاينسى (( وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ) (البقرة: 237) .

بل هي دعوة للتعامل مع غير المسلمين و إن أساءوا: (( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ): (البقرة: 109) .

(( قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ*مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) ) (الجاثية: 14-15) .

وفي الآية كما قال أهل التفسير أمر لعباده المؤمنين بحسن الخلق و الصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي لا يرجون ثوابه، ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون [2]

أيها المؤمنون: ديننا دين السماحة و هو أحب الأديان إلى الله، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الأديان أحبّ إلى الله؟ قال: (( الحنيفيّة السمحة ) ) [3] وأورده البخاري في صحيحه معلّقا بدون إسنادو لكن وصله في الأدب المفرد، باب الدين يسر (29) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: أحبّ الدين، أي خصال الدين، لأن خصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحا -أي سهلا- فهو أحبّ إلى الله.أهـ

السماحة في الدين لا تعني عدم طلب الأكمل..و لا تعني التراخي المؤدّي إلى الترخّص غير المشروع..لكنها سماحة لا غلو، و ترفق لا تشديد لا سيما في مواضع الرخص..و لهذا علّق ابن حجر على الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إنّ الدين يسر و لن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه، فسددوا و قاربوا..إلخ ) ) [4] .

علّق الحافظ بقوله: المعنى: لا يتعمّق أحد في الأعمال الدينية، و يترك الرفق إلّا عجز و انقطع فيغلب، قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوّة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل (المقصود) منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوّع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرص عن وقته كمن بات يصلّي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، وإلى أن خرج الوقت المختار، وإلى أن طلعت الشمس فخرج الوقت.

ثم أورد الحافظ حديث محجن بن الأدرع عند أحمد، ولفظه: (( إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة و خير دينكم اليسرة ) ).

ثم قال ابن حجر: و قد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخص الشرعيّة، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر [5] .

وهكذا فرق العلماء بين التشدد المحذور وبين الترخّص غير المقبول حتى توضع سماحة الإسلام في موضعها الصحيح.

إخوة الإسلام: ومن هدي النبوة قبس يضيء في السماحة وأثرها حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (( اسمح يسمح لك ) ) [6] .

وفي لفظ آخر مرسل (( اسمحوا يسمح لكم ) ) [7]

تُرى من أفضل المؤمنين وهل له علاقة بالسماحة ؟ أجل، فعن أبي سعيد الحذري رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (( أفضل المؤمنين رجل سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاءو سمح الاقتصاء ) ) [8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت