فهرس الكتاب

الصفحة 4031 من 9994

#انحرافات في مفهوم العبودية

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

عباد الله اتقوا الله و أطيعوه، واعلموا أن الله تعالى قد خلقكم إنسكم وجنكم لعبادته قال تعالى: ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ? (1) فعبادة الله تعالى وإفرادها لله وحده لا شريك له هي الغاية القصوى والمطلب الأسمى والمقصود الأعلى من الخلق كما دلت عليه الآية، فإن الله تعالى ذكر ذلك بالنفي والاستثناء اللذين هما أقوى صور الحصر والقصر، فنفى أي غاية لوجود الإنس والجن غيرَ عبادته سبحانه، وهو تعالى ذكْره، وتقدست أسماؤه، لما خلقنا لذلك لم يتركنا هملاً بلا بيان ولا توضيح للعبادة التي خلقنا لها وأمرنا بها بل بين لنا معنى العبودية لله سبحانه ووضح سبيل ذلك، فبعث الرسل مبشرين ومنذرين وإلى عبادته وحده داعين قال تعالى: ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ? (2) فكل رسول جاء إلى قومه كان أولُ ما يقول لهم:"يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيرُه"وهذه الدعوة التي جاءت الرسل بها أمرٌ فطر الله تعالى الخلق عليه ومع ذلك انقسم الخلق حيال دعوة الرسل إلى قسمين كما قال تعالى: ?هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ? (3) .

فمن الناس من وفقه الله إلى الإيمان فهو على الفطرة في عبوديته للواحد الديان، ومن الناس من ابتلي بالحرمان فاجتاله الشيطان فوقع في عبودية الأصنام والأوثان.

أيها المؤمنون إن العبودية لله تعالى التي هي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون وسرور النفوس مبنية على ركنين عظيمين لا تصح إلا بهما: الأول محبة الله تعالى والثاني الذل له سبحانه.

قال ابن القيم رحمه الله:

وعبادة الرحمن غاية حبه ... ... ... مع ذل عابده هما قطبان

فكلما امتلأ قلب العبد لله تعالى حباً وله سبحانه ذلاً وتعظيماً ولأوامره وشرعه انقياداً وعملاً كملت فيه العبودية لله تعالى، وهذه العبودية التي دعت إليها الرسل أمر عام واسع رحب يضرب برواقه على جميع مناحي الحياة وشؤونها، ويتبين هذا واضحاً جلياً من خلال إجالة النظر في آيات الكتاب الحكيم، ومن خلال مطالعة دواوين السنة، فإن الله تعالى خاطب عباده المؤمنين بالأمر والنهي في أمورٍ كثيرة تتعلق بمعاشهم وحياتهم.

ويمكن أن يتضح شمول العبودية لجميع مناحي الحياة من تعريف أهل العلم والفقه لمعنى العبادة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"هي اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة"فعلى هذا تكون العبادة شاملة للأعمال القلبية كمحبة الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، والصبر لحكمه، وهي شاملة للأركان الشعائرية من الصلاة والزكاة والصيام والحج وتطوعاتها وما يتبعها، وهي أيضاً شاملة للعلاقات الاجتماعية والأحوال الشخصية و الأخلاق والفضائل التعاملية، وهي تشمل أيضاً الأحكام القضائية التشريعية والشؤون التجارية والاقتصادية والسياسية.

فالدينونة لله تعالى والعبودية له سبحانه دائرة واسعة تحيط بجميع جوانب الحياة وفروعها من آداب الأكل والشرب وقضاء الحاجة إلى بناء الدولة وسياسة الحكم. وقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى بل وعرفه المشركون والمخالفون لدعوة الإسلام في ذلك الوقت ففي صحيح مسلم عن سلمان رضي الله عنه قال: (( قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة(أي قضاء الحاجة) فقال: أجل نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه أو يستقبل القبلة ونهى عن الروث والعظام وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار )) (4) .

(1) الذاريات:56 ... .

(2) النحل:36. ...

(3) التغابن:2. ...

(4) أخرجه مسلم في الطهارة ( رقم 262 ) . ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت