فهرس الكتاب

الصفحة 8005 من 9994

وَإِنَّ مِنَ النِّعَمِ التي هَيَّأَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ مُنذُ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ ، مَا انتَشَرَ في كَثيرٍ مِنَ المُدُنِ وَالقُرَى ، مِن تِلكُمُ الدَّورَاتِ الصَّيفِيَّةِ المُكثَّفَةِ ، والتي يُهدَفُ مِنها إلى تَعَلُّمِ القُرآنِ وَتَعلِيمِهِ ، وَيُعكَفُ فِيهَا على حِفظِهِ وَتحفِيظِهِ ، وهي فِكرَةٌ مُبَارَكَةٌ هَدَى اللهُ إِلَيهَا مَن هَدَى ، وَوَفَّقَ لِدَعمِها مَن وَفَّقَ ، فَجَزَى اللهُ القَائِمِينَ عَلَيهَا دَعمًا وَمُشَارَكَةً خَيرَ مَا جَزَى أُمَّةً عَن كِتَابِها ، وَجَعَلَ لِمَن سَنَّهَا مِنَ الأَجرِ أَجزَلَهُ ، فَقَد تخرَّجَ فِيهَا ـ وَالحمدُ للهِ ـ أُنَاسٌ كثيرونَ ، وَحَفِظَ كِتابَ اللهِ في أَروِقَتِها قَومٌ كان حِفظُ القُرآنِ أُمنِيَّةً لهم وَحُلُمًا يُرَاوِدُهُم مُنذُ سَنَوَاتٍ ، فَمَا كانوا يَستَطِيعُونَ لِعَدَمِ الجَوِّ المُنَاسِبِ ، فَمَا أَن تهيَّأَت لهم تِلكَ الدَّورَاتُ ، حتى سَارَعُوا إِلَيهَا وَسَابَقُوا ، فَحَمِدُوا مَغَبَّةَ الصَّبرِ وَجَنَوا ثِمَارَ المجاهَدَةِ ، حَيثُ حَفِظُوا خَيرَ كِتابٍ وَوَعَت صُدُورُهُم أَفضَلَ كَلامٍ ، فَهَنِيئًا لِمَن حَازُوا هَذَا الشَّرَفَ العَظِيمَ ، وَنَسأَلُ اللهَ أَن يُوَفِّقَنَا وَأَبنَاءَنَا وَإِخَوَانَنَا لِحِفظِ كِتَابِهِ الكَرِيمِ ، فَإِنها فُرصَةٌ عَظِيمَةٌ عَظِيمَةٌ ، لا يُفَرِّطُ فِيها ممَّن يَقدِرُ عَلَيها إِلاَّ جَاهِلٌ أَو مَغبُونٌ ،، إِنَّهُ رُبما فَاتَ بَعضَنَا المُشَارَكَةُ في تِلكِ الدَّورَاتِ لانشِغَالِهِ ، فَلِمَاذَا يُفَوِّتُ على أَبنَائِهِ ذَلِكَ الخَيرَ ، ولماذا لا يحثُّهُم على الالتِحَاقِ بِتِلكَ الحَلَقَاتِ وَيُشَجِّعُهُم على الانضِمَامِ إِلَيهَا ، لِيَنَالَ عَظِيمَ الأَجرِ وَالإِحسَانَ مِنَ الكَرِيمِ المَنَّانِ ، قال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( مَن قَرَأَ القُرآنَ وَتَعَلَّمَهُ وَعَمِلَ بِهِ ، أُلبِسَ وَالِدَاهُ يَومَ القِيَامَةِ تَاجًا مِن نُورٍ ، ضَوؤُهُ مِثلُ ضَوءِ الشَّمسِ ، وَيُكسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَينِ لا يَقُومُ لهما الدُّنيا ، فَيَقولانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا ؟ فَيُقَالُ: بِأَخذِ وَلدِكُمَا القُرآنَ ) )اللهُ أَكبرُ .

عِبادَ اللهِ ـ يَا لَهُ مِن أَجرٍ مَا أَعظَمَهُ ! وَيَا لها مِن كَرَامَةٍ مَا أَجَلَّهَا ! وَأَيُّ جَائِزَةٍ هي أَكبرُ وَأَغلَى مِنها ؟! تَاجٌ مِن نُورٍ وَحُلَّتَانِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا ، وَالسَّبَبُ تَعلِيمُ الوَلدِ لِلقُرآنِ ، فَأَيُّ أَبٍ يُفَرِّطُ في هَذَا أَو يُعرِضُ عَنهُ ؟! وَأَيُّ وَالِدٍ لا يَتَمَنَّى هَذَا الجَزَاءَ وَلا يَطلُبُهُ ؟! فَأَللهَ أَللهَ وَهَيَّا إِلى بُيُوتِ اللهِ ،وَحَيَّ هَلا عَلَى كِتَابِ اللهِ ، مَن لِكِتَابِنَا إِنْ نَسِينَاهُ ؟ مَن يَعْلَمُهُ إِنْ جَهِلنَاهُ ،مَن يُعَلِّمُهُ إِذَا تَرَكنَاهُ وَأَهمَلنَاهُ ؟ وَأَنتُم أَيُّها الأَثرِيَاءُ وَالمُوسِرُونَ ، يَا مَن أَنعَمَ اللهُ عَلَيكُم بِالمَالِ وَمَنَّ عَلَيكُم بِالغِنى ، أَينَ أَنتُم عَن دَعمِ هَذِهِ الدَّورَاتِ ؟! مَاذَا تَنتَظِرُونَ ؟ وَلأَيِّ شَيءٍ تجمَعُونَ ؟! وَحَتَّامَ تَدَّخِرُونَ وَتُمسِكُونَ ؟! مَن لِتِلكَ الدَّورَاتِ إِن لم تَدعَمُوها ؟! مَن يحتَسِبُ الأَجرَ إِن لم تحتَسِبُوا ؟! مَن يُنفِقُ لِوَجهِ اللهِ إِن لم تُنفِقُوا ؟! لَيسَ وَرَاءَكُم ـ وَاللهِ ـ إِلاَّ المَوتُ وَالقَبرُ ، فَيُقسَمُ المَالُ وَتُوَزَّعُ التَّرِكَةُ ، وَتُنسَونَ كَمَا نُسِيَ غَيرُكُم ، وَتُطوَى حَيَاتُكُم وَتَنقَطِعُ أَعمَالُكُم ، فَلا يَبقَى مِنهَا إِلاَّ مَا قَدَّمتُمُوهُ ، وَلَدٌ صالحٌ يَدعُو ، أَو عِلمٌ يُنتَفَعُ بِهِ ، أَو صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ ، وَأَيُّ عِلمٍ أو صَدَقَةٍ هما أَفضَلُ مِن تَعلِيمِ كِتَابِ اللهِ ؟ فَالبِدَارَ البِدَارَ وَاغتَنِمُوا الأَعمَارَ ، وَأَنقِذُوا أَنفُسَكُم بِصَدَقَاتِكُم مِنَ النَّارِ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) (( البقرة:254 ) ).

قال ـ عليه السلامُ ـ: (( إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطفِئُ عَن أَهلِها حَرَّ القُبُورِ ، وَإِنما يَستَظِلُّ المُؤمِنُ يَومَ القِيَامَةِ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ ) ).

أَينَ الذين يُِريدُونَ الجَنَّةَ وَعُقبى الدَّارِ ؟ أَينَ الذين يُرِيدُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ ؟ أين الذين يُرِيدُونَ الأَجرَ الكَبِيرَ ؟ أَينَ الذين يُرِيدُونَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُفلِحِينَ ؟ أَينَ الذين يُرِيدُونَ الأُجُورَ المُضَاعَفَةَ ؟ أَينَ كُلُّ هؤلاءِ فَلْيَقرَؤُوا قَولَهُ ـ سبحانَه ـ: (( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابتِغَاء وَجهِ رَبِّهِم وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقنَاهُم سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدرَؤُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُم عُقبَى الدَّارِ ) ). (( الرعد:22 ) )

وقولَه: (( إِنَّ الَّذِينَ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقنَاهُم سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُم أُجُورَهُم وَيَزِيدَهُم مِن فَضلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) ). (فاطر: 29-30)

وقولَه: (( آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّستَخلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَأَنفَقُوا لَهُم أَجرٌ كَبِيرٌ ) ) (الحديد:7) .

وقولَه: (( فَاتَّقُوا اللهَ مَا استَطَعتُم وَاسمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيرًا لأَنفُسِكُم وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ ) ) ( التغابن:16) .

وقولَه: (( مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَموَالَهُم في سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) ( البقرة: 261) .

الحمد لله حمداً لا ينفد، أحمد سبحانه على نعمه الِظاهرة والباطنة ، (( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) (النحل: 78) .

(( أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) ) ( البلد: 8-10) .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بيده الخير ومنه الخير وهو على كل شيءٍ قدير ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله صَلّى اللهُ وملائكته والمؤمنون عليه وعلى أزواجه وآله وخلفائه وجميع أصحابه وسَلّم تسليماً كثيراً ..

وبعد .

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب: 70- 71) .

عباد الله

ساعات الليل والنهار هي حياةُ الإنسان ورأسُ ماله فإن ربح فيها عملاً صالحاً صار زاداً له إلى سعادة الدنيا والآخرة، وإن قَضّى هذا الزمنَ وأفناه في معصية الله وكسبِ السيئات فيا شقاوته ويا خسارته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت