فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إنّه أمرٌ غفل عنه الكثيرون، وتناساه المتناسون، وقصّر فيه العاملون، وتشاغل عنه المتشاغلون، حتى قال الله فيهم: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) . وقال عز وجلّ: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ) .
فهل من مدّكر؟!.
وهل من واعظ ومتعظ؟!.
وهل من ناصح ؟!.
أمورٌ تحدث عياناً بياناً، وعلى مرأى ومسمع في أرض الواقع.
فهل فكر فيها أحد؟!.
أين أولو الأبصار؟! (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) .
أحداثٌ يشيب منها الولدان، وأمورٌ تقض المضاجع!.
فأين اليقظة؟! وأين العبرة؟! وأين.. وأين؟!.
فيا ليت قومي يتعظون!.
أحداث تترى، يتلو بعضها بعضاُ، كأنها تقول:
لقد أسمعت لو ناديت حيّاً ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رمادِ
وقد قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة:"يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج. قالوا يا رسول الله، أيما هو؟! قال: القتلُ القتل". [رواه البخاري] .
فماذا يعني هذا؟!.
وقال صلى الله عليه وسلم:"سيخرج قوم في آخر الزمان؛ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". [رواه البخاري] .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وعظُم البلاء بهم، وتوسّعوا في معتقدهم الفاسد؛ فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها...". [فتح الباري 12/ 285] .
فما زال هؤلاء يخرجون، وفي عصرنا هذا يتزايدون، ومنهم الإباضية، والحرورية، والرافضة، والباطنية، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة، وغيرهم، وبلاد الرافدين وفارس تشهد بذلك.
فماذا يعني هذا؟!.
تضرب أرضَ الباكستان في الساعة الواحدة ثلاثُ ُهزّات.
فماذا يعني ذلك؟!
يُقتل في العائلة الواحدة في العراق أحد عشر شخصاً،
فماذا يعني ذلك؟!.
تتفجر أرض شرقي آسيا براكيناً - إن لم تكن ناراً - فطيناً.
فماذا يعني ذلك؟!
كَثُرَت الفتنُ والزلازل، والربا، والمحن!.
فماذا يعني هذا وذاك؟!.
إنّ الحادث جلل والخطب أعظم. فهي دلالات وأمارات لا أظنها كذابة.
والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، إنه لمصداق قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) . ومصداق قوله جلّ شأنه: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) . كما أنه ترجمان إنذار، وقد سبقه تنبيه حينما وافتنا المصادر النبوية:"بعثتُ أنا والساعة كهاتين".
فهذه من العلامات التي ظهرت وتحققت في عصرنا هذا؛ فقد انتشرت التجارة على مستوى أهل الأرض، فأصبح لها من القوة ما ليس للجيوش الجرارة، وأضحت حروب اليوم تجاريةً، تقيم دولاً وتهدم شعوباً!. بل صارت تستخدم كعقوبات دولية!.
وهكذا تقاربت الأسواق، وكثر الربا والزنا والغناء، وتفشّت المنكرات واستُهين بالمحرمات!.
فهل من وقفة صادقة تُخاطبُ بها الضمائر، لتستيقظ بعد طول رقاد؟!.
هل من موعظة كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يعظ أصحابه عن أناس غرتهم الحياة الدنيا، وغرهم بالله الغرور؟!.
هل من استعداد ليوم تشخص فيه الأبصار؟!.
لا إله إلا الله! ما أغفلنا!
يشيع في كل يوم غادٍ ورائح، ترك أهله وأصحابه، وكفى بالموت واعظاً.
مالكم لا تستفيقون؟!.
تذكروا يوم الحسرة؛ يوم الآزفة، يوم الجمع، يوم القارعة، يوم الطامة.
وهي أكبر طامة في التاريخ، وليست طامّة عسكرية أو اقتصادية، ولا دولية، بل هي أكبر وأعظم من ذلك، وكل طامّة سواها تهون.
تذكروا يوم الجاثية وما يعني من أهوال! ويوم الحاقة، ويوم الغاشية.
يوم تكوّر الشمس التي تكبر الأرض بأربعين مرة - كما يقال - يوم تنكدر النجوم من شدة الهول، يوم تسير الجبال وتنسف نسفاً، فهذه الجبال فكيف بالإنسان؟!.
يوم تعطل العشار، وتحشر الوحوش، يوم تسجّر البحار وتفجّر، يوم الصاخة، يوم تزلزل الأرض، وتحدث أخبارها، يوم تفتح السماء لنزول الملائكة، يوم يضطرب العالم إيذاناً بنهايته.
تذكروا هذه الوصية من الملك القدوس: (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) .
أيها الناس:
اعدوا للأمر عدته، فإنما هي ساعات وثوانٍ.
قال علي رضي الله عنه - والذي عرف شأن الدنيا - قال وهو جالس في الكوفة عليه ثوب مرقع:"يا دنيا يا دنيّا، غُرّي غيري؛ طلقتك ثلاثاً، عمرك قصير وزادك، حقير وسفرك طويل...".
قال ابن القيم رحمه الله:"علي ابن أبي طالب لا يراجع الدنيا بعدما طلقها لأنه راوي حديث في أبي داود: لعن الله المحلّل والمحلّل له".
فطلقوا الدنيا، وبتوها ثلاثاً
الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على نبينا محمد.. وعلى آله وصحبه أجمعين..
أما بعد.
فأني أقدم هذه القطوف المفيدة للأستاذ الذي جعل همه تعليم العلم والعمل، وغرسها في نفوس تلاميذه.. وللتلاميذ الذين يهمهم التلقي السليم المفيد الذي يثمر به نفوسهم العلم والعمل..
أسأل الله أن ينفعني وإخواني المسلمين به إنه على كل شئ قدير.. وصلى الله وسلم على خير المعلمين وعلى آله وصحبه خير من تلقى عنه وطبق ما تعلمه في واقع الحياة..
البحث الأول
قوة الصلة بالله
إن أول هدف يجب أن يضعه نصب عينه المعلم والمتعلم على السواء هو أن يكون الغرض من التعليم والتعلم قوة الصلة بالله، وعبادته سبحانه على الوجه الذي يرضاه؛ فإن عبادته هي الغاية من خلقنا، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} .
كيف تحقق قوة الصلة بالله؟
وتتحقق قوة الصلة بالله بأن يكون المؤمن كله لله تعالى كما قال عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} .
ولنفصل ذلك بعض التفصيل في الأمور الآتية:
ا- الإخلاص:
والمراد بالإخلاص: تصفية العمل وتنقيته من شوائب الشرك بالله تعالى، سواء كان شركا أكبر - وهو الذي قال الله تعالى فيه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..} - أو شركا أصغر، ومنه إرادة الإنسان بعمله الرياء، أي: مراءاة الناس، كما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} .
وقال تعالى في الحديث القدسي:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"، وقد أمر الله بالإخلاص في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في نصوص كثيرة، قال عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ فان لم تكن تراه فإنه يراك"، وقال:"اتق الله حيثما كنت".