فهرس الكتاب

الصفحة 4781 من 9994

#خطوات عملية في أوقات المحن

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

"خطوات عملية في أوقات المحن"ذلك ما يسأل عنه الناس ، ويريدون معرفته ، ويعزمون على الأخذ به وهو موضوع حديثنا اليوم .

لأننا في هذا المقام ينبغي أن نُذّكر أنفسنا ، ونُذّكر إخواننا ؛ لأن مقام الخطبة مقامٌ عظيم لابد فيه من أن تتوفر كثير من الصفات ، ولكننا نُشير إلى أهمها:

أولاً: المقصد الأعظم

فإن هذا المنبر ليس لمناورة سياسية ، ولا لمظاهرة إعلامية ، إنما أصله الأعظم ، ومقصده الأكبر الإخلاص لله - عز وجل - وابتغاء رضوانه ، وإن سخط الناس ، وقصد وجهه - سبحانه وتعالى - دون الإلتفات إلى الناس .

وثانياً: الهدي الأقوم

ونعني به الإقتداء بسيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - كيف كان في خطابته ، وفي تأثيره ، وفي وضوحه ، وفي صراحته ؟ وكيف كان في علاجه لأمراض الأمة ، وتناول شئونها العامة والخاصة ؟ وكيف كان ذلك دائماً ناشئاً عنده - صلى الله عليه وسلم - من معايشته لأصحابه ، وأمته ، ومن معرفته العظيمة ، الواضحة ، الجليّة لحاجتها - أي لحاجة الأمة - .

ثالثاً: مراعاة المصالح والمفاسد والأخذ بالحكمة والبصيرة

أمّا والناس يريدون كما يقولون:كذا وكذا ، فليس هذا مثل وسائل الإعلام يُقدم ما يطلبه الجمهور فنسأل الله - عز وجل - أن يجعل لهذه المنابر إخلاصاً لله كاملاً ، ومتابعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - تامة ، وحكمة فيها بالغة .

هذه الخطوات أولاً في الجانب الفكري ؛حتى نفهم ونفقه ، وربما نؤكد ونكرر ، ونزيد ونعيد لأهمية مثل هذه المعاني .

ولست أُطيل ، ولن أؤكد وأرّكز على المهم من هذه المعاني التي لابد لنا منها:

أولاً: وضوح الرؤية وقوة العصمة

لابد أن نكون على بصيرة واعية ، ووضوح تام ، وبيّنة فاصلة من أمر ديننا ، وكتاب ربنا وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - .

لسنا في شكٍ من أي قضية ، وحقيقة إيمانية قرآنية أو نبوية .. لسنا نبحث هنا وهناك .. لسنا نقبل ما يروج من الشائعات ، وما يكون له صدىً واسع ، ودوي كبير من الأخبار ، أو الأقوال ، أو المقالات ؛ لأننا كما قال الحق - عز وجل - في خطابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } .

بيّنةٌ من الله واضحة .. آيات أنوارها ساطعة .. أحكام أدلتها باهرة .. لابد أن يكون معرفتنا بذلك ، ووضوح رؤيتنا فيه ، حتى في سنن الله الماضية ، وفي حكمته البالغة التي نقرأها في آيات كتابه ، ونرى تطبيقها في واقع الحياة ، كل ذلك له أهميته .

ولذلك لا يُمكن حينئذٍ أن يكون شكٌ ، ولا ارتياب ، ولا حيرة ، ولا اضطراب ، ولا ترددٌ وتشكك . إذ هذه هي البيّنة الواضحة والرؤية التي ليس فيها غبشٌ مطلقا: { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .

قال الله - جلّ وعلا - في خطابه لرسوله ليُخاطب البشرية كلها والناس أجمعين: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ** وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ } .

ثم من بعد آياتٍ قليلة ، يعود الخطاب إلى رسول الله ليصبح بها أمام الناس كلهم والخليقة جمعاء: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ** وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } .

نبقى على ثوابتنا ، ونعرف عاقبتنا وخاتمتنا ؛ لأن الله - جلّ وعلا - قد قال: { فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } .

ونوقن أيضاً في وضوح رؤيتنا أن الدائرة على الكافرين ، كما كُسر الكياسرة ، وقُصر القياصرة ، وأُغرق فرعون .. فإن ظلَمَة اليوم من الغزاة المعتدين أمريكان أو بريطانيين عاقبتهم - ولو بعد حين - إلى ذلّ وهوان ، فلا ينبغي أن تكون هناك عجلة ، ولا ينبغي أن تكون هناك حيرة .. قد تكون لهم جولة ، وقد يكون لهم نصرٌ في دائرة أو ميدان ، فهل يعني ذلك أن يُدب اليأس في النفوس ؟ وهل يعني ذلك أن الكفر ظهر على الإيمان ؟ وهل يعني ذلك أن نتشكك في حقائق القرآن ؟ وهل يعني ذلك أن تضطرب الآراء وتحتار ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت