أيها المؤمنون إن من شعائر الدين التي يتعبد الله بها في نهاية هذا الشهر المبارك ذكره وشكره وتكبيره جل وعلا قال تعالى: ?شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ? (2) ثم قال جل وعلا في آخر الآية: ?وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ? (3) فيسن للمسلمين أن يكبروا الله تعالى على ما هداهم وعلى ما أتم لهم من نعمة وإحسان ووقت هذا التكبير يبدأ من غروب شمس آخر يوم من رمضان ويستمر هذا التكبير إلى صلاة العيد، وهذا التكبير تكبير مطلق فيكبر في البيت وفي السوق وفي المسجد قبل الصلاة وبعدها وفي كل مكان الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد هذا أجود ما جاء في الصحيح عن الصحابة رضي الله عنهم فاحرصوا على الذكر والتكبير فإن فيه خيراً كثيراً.
عباد الله أيها المؤمنون إن من شعائر الدين في نهاية هذا الشهر الكريم زكاة الفطر التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على العبد الحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين فرضها صلى الله عليه وسلم طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام وأمر بها صلى الله عليه وسلم أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة فاتقوا الله أيها المؤمنون وأدوا زكاة الفطر على الوجه الذي فرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم أدوها صاعاً من غالب قوت البلد الذي تعيشون فيه وغالب قوت البلد عندنا الأرز فأخرجوا صاعاً من الأرز والصاع يعادل كيلوين وأربعين جراماً بالوزن الحديث.
أيها المؤمنون اعلموا أنه لا يجزئ إخراج هذه الزكاة نقوداً لأن النبي فرضها على صفة معينة فيجب التزام الصفة التي فرضها صلى الله عليه وسلم فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (( كنا نعطيها على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب ) ) (4) فحدث في عهده رضي الله عنه بعض التغيير من بعض الناس فقال رضي الله عنه: أما أنا فلا أزال أخرجها كما كنت أخرجها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتقوا الله أيها المؤمنون وإياكم ومحدثات الأمور ولا بأس أيها المؤمنون في توكيل من يشتريها ثم يوزعها عنكم إلا أنه ينبغي أن يتأكد من توزيعها قبل صلاة العيد فإنها قبل صلاة العيد زكاة مقبولة وهي بعد العيد صدقة من الصدقات.
الخطبة الثانية
أما بعد. . .
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن من دلائل توفيق الله للعبد أن يدع العبد عمله الصالح وأن ينقطع عنه فإن الله تعالى أمرنا بإدامة الطاعة والعبادة فقال تعالى: ?وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ? (5) وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ ) ) (6) وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل ) ) (7) فاحرصوا أصلح الله قلوبكم على أن لا يكون آخر عهدكم بالطاعة والإحسان ما قدمتموه في شهر رمضان بل صلوا ذلك وأديموه فإن الله عز وجل ما خلقكم إلا لتعبدوه.
أيها المؤمنون إن الله قد امتن عليكم بأن جعل لكم عيداُ تفرحون فيه وتشكرون الله فيه على أن هداكم للإيمان أيها المؤمنون إن العيد في هذه الشريعة المباركة عيدان عيد الفطر وعيد الأضحى فالأعياد في شريعة محكمة ليس لأحد أن يزيد فيها أو ينقص منها فعن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال صلى الله عليه وسلم: (( قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر ) ) (8) رواه أبوداود بسند صحيح فاخرجوا أيها المؤمنون إلى صلاة العيد حيث تصلى أخرجوا بأنفسكم وأولادكم وأهليكم إلى صلاة العيد البسوا أحسن ما تجدون من الثياب متطببين متطهرين مكبرين مهللين، مروا نساءكم بالحشمة والاحتجاب فإنكم تخرجون إلى شعيرة من شعائر الدين ?ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ? (9)
واعلموا أيها المؤمنون أن من السنة الأكل قبل الخروج إلى الصلاة فإن النبي كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ومن السنة أيضاً مخالفة الطريق يوم العيد ومن السنة أيضاً أن يخرج أليها ماشياً.
(1) سورة: الرحمن: (60)
(2) سورة:البقرة: آية: (185)
(3) سورة:البقرة: آية (185)
(4) البخاري (1506) ، مسلم (985) .
(5) الحجر (99) .
(6) متفق عليه: البخاري (6464 ) ، ومسلم ( 2818) .
(7) متفق عليه: البخاري ( 1152 ) ، ومسلم ( 1159) .
(8) أبو داود (1134)
(9) سورة: الحج: آية (32)
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
فيا أيها المؤمنون، اتقوا الله الذي خلقكم والذين من قبلكم واعلموا أن الله سبحانه وتعالى قد خص الصيام بأجر عظيم فقال صلى الله عليه وسلم: (( كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ) )قال الله تعالى: (( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) ) (1) متفق عليه وهذا الحديث يفيد أن الصوم قد جاز قانون التقدير والحساب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم واعلموا أيضاً أن ثمرة الصيام جليلة عظيمة فثمرته تقوى الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ? (2)
إلا أن ذلك الأجر العظيم وتلك الثمرة الجليلة قد تنقص أو تذهب وتضمحل بسبب بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض الصائمين فمن رغب في تحصيل الأجر الكبير والثمرة العظيمة فعليه أن يفتش وتحسس نفسه وسلوكه وينقي صيامه من هذه العيوب والأخطاء التي قد تنقص الأجر وتحبط العمل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( رب قائم حظه من القيام السهر، ورب صائم حظه من الصيام الجوع والعطش ) ) (3) رواه ابن ماجه والنسائي والبيهقي واللفظ له بإسناد جيد. وأنا أذكر إن شاء الله تعالى بعض هذه الأخطاء تعريفاً بها وتحذيراً من عاقبتها وسوء غائلتها فمن هذه الأخطاء:
أن بعض الصائمين لا يصوم هذا الشهر إيماناً بالله تعالى واحتساباً للأجر بل يصومه عادة فلا يستحضر نية التعبد لله تعالى بهذا الصيام وخطر على صاحب هذه النية أن لا يتقبل الله منه فإنما يتقبل الله من المتقين والله طيب لا يقبل إلا طيباً ثم لو قبل مع هذه النية المهلهلة فقد فاتته الفضائل والمناقب والأجور التي رتبت على حسن النية وصفاء القصد فإنه كما قيل: النية مطية فإن كانت نيتك خالصة صحيحة كانت مطيته موصلة لك إلى مرادك ومطلوبك فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (4) متفق عليه فاشترط للمغفرة التصديق والنية وقد قيل: رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية فإنما السير سير القلوب وإنما يتعثر من لم يخلص (5) .
فلابد من قصد ذات الإله وترك الريا ليصح العمل