فهرس الكتاب

الصفحة 8551 من 9994

إنَّهُ لا يشعرُ بعظمِ نعمةِ الله عليهِ بالهداية، إلاَّ من اكتوى بنارِ الغوايةِ، ولا يُقدرُ منةَ اللهِ عليهِ في الإيمانِ إلاَّ من ذاقَ ويلاتُ الفسوقِ والعصيان، من ضياعٍ وحيرةٍ واضطراب، (( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ) ).

فمن أدركَ قدرَ هذهِ النعمةِ عزَّ عليه فِراقُها، ومن تذوقَ حلاوةَ هذهِ المنةِ كرهَ مرارةِ البُعدِ عنها ، كما يكرهُ أن يُلقى في النار ، وتذكُّر نعمةَ الهدايةِ مما يُعززُ في القلبِ الثباتَ عليها، وطلبِ أسبابِ بقائها، ولذلكَ يُذكرُ اللهُ عبادهُ بنعمتهِ هذه قائلاً: (( وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء ) )

أخي أيَّها المستقيم:

وأنت تعيشُ في جنةِ الاستقامةِ، وتنهلُ من رحيقِ العبادةِ، فلا تنسَ من نكصوا على أعقابهم، وارتدُّوا على أدبارهم، من بعد ما تبينَ لهم الهُدى، لا تنسَ من رأى الحقَّ لكنَّهُ انسلخَ من آياتِ اللهِ، وتجردَ من الغطاءِ الوافي، والدرعِ الحامي، وانحرفٍ عن الهدى ليتبعَ الهوى، ويهبطُ من الأفقِ المشرقِ فيلتصقُ بالطينِ المعتم، فيصبحُ غرضاً للشيطانِ لا يقيهِ منهُ واقٍ، ولا يحميهِ منهُ حامٍ، فيتبعهُ ويلزمهُ ويستحوذُ عليه

لا تنسَ أولئكَ المنتكسينَ من نُصحك ودعوتك ، ذكِّرهُم أيُّ نعيمٍ تركوه ، وأيُّ خيرٍ فارقوه، وإنني أيُّها المسلمون موجِّهٌ هذهِ الرسالةُ إلى مسلمٍ كانَ ينعمُ بالاستقامةِ فتركها ، ويستظلُ بجنَّةِ الطاعةِ ففارقها اتباعاً لهوى، وإرضاءً لشهوةٍ.

أيُّها الأخُ العزيز:

هذهِ رسالةُ ودٍّ، وتجديدُ محبةٍ صادقةٍ أرسِلُها من قلبٍ يفيضُ مودةً وحباً ، ويفيضُ شفقةً ورحمة، لقد كُنتَ في بستانِ الصلاح، تقطفُ من ثمارهِ ، وتشربُ من مائهِ، وتستظلُ بظله .

لقد كُنَّا نراكَ حريصاً على الطاعةِ، مسابقاً إلى الفضيلة، مُسارعاً إلى العبادةِ، صلاة وصياماً وتلاوةً وذكراً، لقد كُنَّا نراكَ مواظباً على الحلقاتِ ، متردداً على الدروسِ والمحاضرات، مستمعاً للشريطِ الهادفِ، قارئاً للكتابِ النافع .

تلك صورٍ مشرقةٍ لا تزالُ شاخصةً أمامَ أعيُننا ونواظرنا، وحينَ يقفزُ اسمك للذهنِ، ويدورُ خيالُك بالبالِ، تتسارعُ تلك الصورَ المضيئةِ والجوانبَ المشرقةِ، وتتلاحقُ لتأخذَ مكانَها، حتى يعكِّرها ما صرتَ إليه أيُّها الصاحبُ المبارك .

أخي يا رعاك الله:

إنَّ ما صارت إليهِ حالُكَ، لأمرٌ يقلقُ البال، ويُكدِرُ الخاطر، ويُؤلمُ القلب ، كيف لا ، ونحنُ نرى ورقةً من شجرةِ الصحوةِ قد سقطت ، وزهرةً في بستانِ الصالحينَ قد ذبلت ، كيف لا وأنا أراكَ يا أخي تسلكُ طريقاً مظلماً موحشاً، لا تدري هل تعودُ منهُ سالماً، أو تتيهِ في دروبهِ فتلقى الله ظالماً آثماً .

إنني أذكرك وقلبي على نفسي وعليك مشفق وما أبريء نفسي، ولا آمن على قلبي وأسال الله الثبات .

أذكركَ يا أخي أنَّكَ إنَّما تجني على نفسكَ وتقودُها إلى حتفك، ولن تضرَ اللهَ شيئاً ، أو ما سمعتَ ربكَ في الحديثِ القدسي يقول: (( يا عبادي لو أنَّ أولُكم وآخركم و إنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحد ما نقصَ ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي إنَّكم لن تبلغوا ضُري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي إنَّما هي أعمالُكم أحصيها لكم، ثُمَّ أوفيكم إيَّاها، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلو من إلاَّ نفسهُ ) ).

أخي:

هل تتفضلُ على نفسكَ لتقفَ ساعةَ محاسبةٍ، ولحظاتِ مُصارحةٍ، فتقارن بين ما أنت عليه الآن، وبين ما كنتَ عليه من قبل، متجرداً من الهوى والمكابرة ، أن تجري حساباًً صادقاً مع نفسك قبل الحساب الذي ليس بعده عمل ، أن تجري حوراً صريحاً لهُ ما بعده، قبل أن يتحاور أهلُ السعادةِ وأهلُ الشقاء .

أخي:

لا زال البابُ مفتوحاً، والطريقُ مشرعةً، أو لستَ تقرأ قولَ العزيزِ الغفور: (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ) ).

فكن جريئاً وجاداً، وحازماً مع نفسك ، وأعلنها عودةً صريحةً إلى الله قبل أن تغرغر، وقبل أن تقول: (( رَبِّ ارْجِعُونِ ) ).

إنني لا أطلبُ منك أن تسلكَ طريقاً مجهولَ المعالمِ، لا تدري ما وراءهُ ، إنني أطَالبك يا أخي أن تعودَ لفطرتك، التي فطركَ اللهُ عليها ، وأن تعودَ لتلك الحال التي كنتَ فيها، في قطارِ الصالحين والعابدين .

أخي: يعتذرُ بعض الذين حوَّلوا مسارَ حياتهم بأعذارٍ تبدو لهم أوَّلَ وهلةٍ أنَّها صادقة، ولو صدقت لما أغنت عنهم يوم القيامة.

يتعذر أحدهم بأنَّ الصالحين الذين صاحبهم كان فيهم وفيهم، وقد يكونوا شيءٌ من ذلك صحيحاً، ولكن هل الحل أن يغيرَ الشخصُ حاله ؟ ، أم الحل أن يتميزَ باستقامتهِ، فيصبحَ خيراً منهم ، يعتذرُ بعضهم بأنَّهُ لم يكن جاداً ، لم يكن صادقاً ، كان يأتي المعاصي ، كان متناقضاً مع نفسهِ، فحسم الأمرُ بما آلَ إليه ، لكن شتانَ بين من يبقى على الخيرِ، ويُجاهِدُ نفسهُ فيكبو وينهضُ ويهوي، ويفيقُ ويحبُّ الصالحين، ويُجالسهم، فيكونُ حرياً بأن يُقال له: أنت مع من أحببت ، ويقالَ لهُ: هُم القومُ لا يشقى بهم جليسهم ، ويتجنبُ المجاهرة بالمعصيةِ، ليصبحَ من أهلِ العافية، شتان بينَ هذا وبين من يُجاهرُ بسلوكٍ غير طريقِ الصالحين، ويجدُ غيرهم أعذاراً وأعذاراً، لكنَّها تبقى بعد ذلك حججاً بينهُ وبين نفسه، وحججاً يواجهُ بها الناس، ولن تنجيهِ أمامَ الله عز وجل .

أخي وفقكَ الله:

قد سطرتُ لك نصحي، ونثرتُ لك مكنونَ قلبي ، وكلي أملٌ أن أرى وجهكَ مُشرقاً بنورِ الطاعةِ، وقلبكَ خاشعاً بالاستقامةِ، وكلي أملٌ أن أراكَ شجرةٌ مثمرةً، غنّاءَ في بستان الصالحين، وجنة المؤمنين ، تلك الجنة التي كُتب على بابها، (( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) )، وعلى جنبا تها (( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) )وعند كلِّ بابٍ من أبوابها سُطَّر هذا الدعاء، (( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ) )وما ذلك على اللهِ بعزيز، وتقبلَ سلامَ من يرجو لك الخير والسلام .

سائلاً الله لي ولإخواني الثبات ، وللزائغين عودة قبل الممات

الحمد لله (( يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ) (سورة المجادلة:7)

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ) (سورة الحديد:4) .

سبحان مَنْ أحاط علمه بجميع المعلومات ، من ماضٍ وآت ، وظاهر وباطن ، ومتحركٍ وساكن (( رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ) ) (سورة إبراهيم:38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت