فهرس الكتاب

الصفحة 9678 من 9994

فاتقوا الله عباد الله واعلموا إن من أسباب نزول المطر دعاء الله وسؤاله والإلحاح عليه فإن ربكم قريب مجيب لا يخلف الميعاد فأحسنوا الظن به وأعظموا الرغبة فيما عنده أظهروا الفاقة والحاجة والذل له والانكسار بين يديه فإنه جل وعلا ابتلاكم بحبس المطر لعلكم تذكرون فترجعون إليه وتضرعون إليه وفي الحديث (( ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه ) ) (13) أي قرب فرجه جل وعلا فادعوا الله أيها المؤمنون أن يغيثكم فإن الله يجيب دعوة الداعي إذا دعاه فعن أنس رضي الله عنه قال: دخل رجل يوم جمعة والنبي r قائم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعو الله يغيثنا فرفع رسول الله r يديه ثم قال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا قال أنس فلا والله لا نرى في السماء من سحاب ولا فزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار: قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً )) (14) رواه البخاري ومسلم فألحوا عباد الله على ربكم بالسؤال أن يغيث قلوبكم بالعلم والإيمان وبلادنا بالسيل المبارك النافع اللهم لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين .

(1) الشورى: 27.

(2) الأعراف: 130.

(3) الملك: 30.

(4) لأعراف: 96.

(5) المائدة: 66.

(6) المائدة: 65.

(7) الجن: 16.

(8) نوح: 10.

(9) أخرجه البخاري في الجنائز برقم 1284 وأخرجه مسلم في الجنائز برقم 923 من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه.

(10) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق برقم 2984 .

(11) نوح: 10.

(12) هود: 52.

(13) أخرجه ابن ماجه في المقدمة برقم 181 .

(14) أخرجه البخاري في الجمعة برقم 1014 وأخرجه مسلم في صلاة الاستسقاء برقم 897.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

أيها المؤمنون إنها أيام قلائل معدودة ويستقبل عدد كبير من الطلاب ذكوراً وإناثاً الإجازة السنوية الكبرى يتفرغون فيها من الدراسة والواجبات وغير ذلك من الالتزامات وهذه الإجازة في حقيقتها عند كثير من الطلاب كمٌّ هائلٌ من الوقت الفارغ الذي لا يحسن استعماله ولا تصريفه بل إن أكثرهم يدفع الزمن دفعاً عجيباً ويهدره إهدار من لا يخشى فقراً ولا يرقب موتاً فإن طال بهم الليل فبحديث لا ينفع أو اجتماع على مشاهدة أو سماع ما يضر ويفزع، وإن طال بهم النهار فبالنوم على الفرش أو التقلب عليها، وهم في أطراف النهار إما في الأسواق أو للسهرة والسمر في إعداد فلما رأيت أن هذه هي الحال كان من واجب النصح للأمة أن نقف مع هذه الإجازة الكبرى وقفات نعالج فيها أخطاءنا ونقوم فيها معوجنا ونرشد فيها ضالنا وإن هذه الحال لغبن حقيقي وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ) (1) رواه البخاري من طريق عبد الله بن سعيد ابن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس. فمن أمضى يوماً من أيامه في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد أثله أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه. أيها المؤمنون إن أول ما نذكر به أنفسنا أننا يا عباد الله في سفر شأنه عظيم فنحن في سفر إلى الدار الآخرة فمنا من يقطع مراحل سفره بما يرضي الله تعالى في البكور والآصال وآناء الليل وأطراف النهار حتى إذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا حمد سعيه وابتهج بما أعد الله له ?وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ? (2) . ومنا من أقبل على شهواته وحظوظ نفسه وغفل عن لقاء ربه فقطع مراحل سفره بمساخط الله فليس له هم في هذه الحياة الدنيا إلا بطنه وفرجه حتى إذا جاء يوم القيامة وعاين عمله وسعيه وكسبه وكده في هذه الدنيا قال: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين. فاتقوا الله عباد الله واستعملوا حياتكم في طاعة الله تعالى وما تسرون به يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فإن العبد إذا أيقن أنه في سفر تقطع مراحله إما إلى جنة وإما إلى نار جدّ واجتهد وسعى في فكاك نفسه من عذاب الله وغضبه. أيها المؤمنون إن ثاني ما نذكر به أنفسنا يا عباد الله قول الله تعالى: ?فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ? (3) . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس وصححه الحاكم وفيه حفص بن برقان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اغتنم خمساً قبل خمس، وذكر منها: فراغك قبل شغلك ) ) (4) ورواه أحمد وغيره مرسلاً عن عمرو بن ميمون فإن الإنسان في هذه الدنيا لابد له من انشغال بما يصلح دنياه مع قيامه بما أمر الله به فإذا فرغ العبد من أعماله التي يصلح بها دنياه وجب عليه أن يبادر إلى عمل صالح ترفع به درجته وتقال به عثرته ويثقل به ميزانه ثم أنتم أيها المؤمنون بعبادة الله تعالى في كل وقت وحين فلم يجعل الله تعالى لعبادته أمداً تنتهي عنده قبل موتك يا عبد الله قال الله تعالى: ?وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ? (5) .

أيها المؤمنون إن من أهم وقفاتنا مع هذه الإجازة هي كيفية قضائِها فإن كثيراً من الناس يغيب عنه الاستثمار الصحيح لهذه الإجازة بسبب جهله بأبواب الخير التي يمكن قضاء الإجازة فيها فأبواب الخير أيها الآباء والأولياء وأيها الشباب والطلاب كثيرة متعددة تستوعب الطاقات وتحفظ الأوقات وتقي السيئات وتنمي القدرات ويتحقق من خلالها كثير من الخيرات فمن الأبواب التي تقضى فيها هذه الإجازة حلق القرآن الكريم يلتقي فيها المشاركون فيها على خير كلام وأحسنه وأصدقه على كلام الله تعالى الذي تحيا به القلوب وتطيب فاحرصوا عليها أيها الشباب واحرصوا عليها أيها الآباء وشجعوا أولادكم على الدخول فيها فإنها خير لكم لو كنتم تعلمون. أيها المؤمنون إن من أبواب الخير التي تقضى فيها هذه الإجازات الدورات والدروس العلمية التي ازدانت بها المساجد فإن فيها خيراً كثيراً فيها يقترب المرء من أهل العلم والإيمان الذين يبصرون من العمى ويهدون من الضلالة وفيها يتعلم المؤمنون ما يجب معرفته من علوم الشريعة وأحكامها. أيها المؤمنون إن من القنوات التي تحفظ بها أوقات الشباب ذكوراً وإناثاً المراكز الصيفية التي يشرف عليها أساتذة فضلاء ومربون نجباء يعملون على إشغال أوقات الشباب بما يفيدهم وينفعهم ففيها الأنشطة الثقافية والأعمال الترويحية والمهنية ولو لم يكن فيها إلا حفظ الشباب من الاجتماعات السيئة لكان ذلك خيراً كثيراً. أيها المؤمنون إن من أبواب الخير التي تقضى بها الإجازة السفر إلى بيت الله الحرام ومسجد رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام ومما تستغل فيه الإجازة صلة الأرحام وزيارة الأصحاب والإخوان. أيها المؤمنون إن من الوقفات المهمة في إقبال هذه الإجازة أن نذكر أولياء الأمور من الآباء والأمهات وغيرهم بضرورة العناية بأولادهم صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً فإنهم يحتاجون في هذه الفترة من العناية والرعاية والحفظ والصيانة قدراً كبيراً وذلك أنهم في فراغ عن الأشغال والفراغ السائب الخالي من التوجيه والاستثمار من أكبر أسباب الانحراف ودواعي الضلال:

إن الشباب والفراغ و الجده مفسدة للمرء أي مفسده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت