فهرس الكتاب

الصفحة 6236 من 9994

#في تحريم الضرر والضرار

أحاديث مشروحة, الآداب والحقوق العامة

صالح بن فوزان الفوزان

الرياض

البساتين

ملخص الخطبة

1-تخريج حديث"لا ضرر ولا ضرار"2- أنواع المُضارّة بالناس 3- صور للإضرار بالزوجة والأقارب والجيران وعموم المسلمين 4- الإضرار بالنفس

الخطبة الأولى

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وكونوا عباد الله إخوانا كما سماكم الله، يحب أحدكم لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه، يبذل خيره لأخيه ويكف عنه شره ولا يؤذيه، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله قال: (( لا ضرر ولا ضرار ) )، حديث حسن روي مسندا ومرسلا، وله طرق يقوي بعضها بعضا، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به، وهو يدل على تحريم الضرر والضرار، ضد النفع، وقد دل الحديث على تحريم إيصال الضرر إلى الناس بغير حق في أبدانهم وأعراضهم وأولادهم وأموالهم، وفي الحديث الآخر: (( من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه ) ).

والمضارة بالناس على نوعين:

النوع الأول: أن يضارهم في غير مصلحة تعود عليه في نفسه. وهذا لا شك في تحريمه وقبحه وقد ورد في القرآن الكريم النهي عن المضارة في مواضع: منها المضارة في الوصية، قال تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار [سورة النساء:12] .

وفي الحديث عن أبي هريرة مرفوعا: (( إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضره الموت فيضار في الوصية فيدخل النار ) )ثم تلا: تلك حدود الله إلى قوله: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين [سورة النساء:13-14] . وخرجه الترمذي وغيره بمعناه.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم تلا هذه الآية.

وذلك لأن الله توعده أن يدخله النار خالدا فيها، وذلك لا يكون إلا على كبيرة.

والإضرار في الوصية على نوعين:

النوع الأول: أن يوصي لبعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له فيتضرر بقية الورثة، ولهذا قال النبي: (( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ) ).

النوع الثاني: أن يوصي بزيادة على الثلث لغير وارث، فينقص حقوق الورثة، والنبي إنما رخص بالوصية بالثلث فأقل، فقال: (( الثلث، والثلث كثير ) ).

ومن المضارة المنهي عنها في القرآن: المضارة في العشرة الزوجية، كالمضارة بمراجعة الزوجة المطلقة إذا طلقها ثم راجعها من غير أن يكون له رغبة فيها، وإنما قصده حبسها حتى تصبح لا هي ذات زوج ولا مطلقة.

وفي الجاهلية كان الرجل يطلق المرأة فإذا قاربت نهاية العدة راجعها إضرارا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها، قال تعالى: فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا ًلتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه [سورة البقرة:231] .

وقال تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً [سورة البقرة: 228] .

فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة بالزوجة فإنه آثم بذلك.

ومن أنواع المضارة في العشرة الزوجية المضارة بالإيلاء بأن يحلف على ترك وطء زوجته، وقد أمر الله أن يضرب له مدة أربعة أشهر، فإن رجع في أثنائها وكفر عن يمينه ووطئ زوجته كان ذلك توبته، وإن استمر على يمينه ولم يطأ زوجته حتى مضت أربعة الأشهر ألزمه الحاكم إما بالرجوع إلى وطء زوجته والتكفير عن يمينه، وإما بالطلاق، وذلك لإزالة الضرر عن الزوجة، قال تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [سورة البقرة: 226-227] .

ومن المضارة في العشرة الزوجية أن يطيل الزوج السفر من غير عذر، وتطلب امرأته قدومه فيأبى، وحكمه أن يمهل ستة أشهر، فإن أبى القدوم بعد مضيها فإن الحاكم يفرق بينه وبين زوجته إذا طلبت ذلك دفعا للضرر عنها.

ومن أنواع المضارة الممنوعة في القرآن المضارة في تربية الأولاد كالمضارة في الرضاع.

قال تعالى: والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده [سورة البقرة: 233] .

فإضرار الوالدة بولدها أن يُنزع ولدها منها من أجل الإضرار بها، وإضرار المولود له (وهو الأب) بولده أن تأبى أمه أن ترضعه، ليتكلف الأبطلب المراضع والمربيات له من غيرها.

ومن أنواع الضرر المنهي عنه في القرآن: المضارة في المعاملات، كمضارة الكُتّاب والشهود الذين يكتبون الوثائق ويثبتون الحقوق بكتاباتهم وشهاداتهم، وقد نهى الله عن المضار بهم والمضارة منهم بأصحاب الحقوق، قال تعالى: ولا يضار كاتب ولا شهيد [سورة البقرة:282] .

فالإضرار بالكاتب والشاهد أن يدعيا للكتابة والشهادة في وقت أو حالة تضرهما، ومضارة الكاتب والشاهد لأصحاب الحقوق أن يكتب الكاتب غير ما يُملي عليه، ويشهد الشاهد بخلاف ما رأى أو سمع، أو يكتم الشهادة بالكلية عند الحاجة إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت