لقد أعلن الثري الأمريكي ( روكفلر ) بعد الحرب العالمية الأولى - أي قبل ما يقارب ثمانين عاماً - أعلن تبرعه بمبلغ عشرة ملايين دولار، لإنشاء متحفٍ للآثار الفرعونية، يلحق به معهدٌ لتخريج المتخصصين في هذا الفنّ، ملايين أ ظنُّها توازي ميزانية دولة من الدول، ينفقها هذا الثري الغربي على إحياء الآثار الفرعونية، في بلاد الإسلام - مصر، فما الذي أثمرته مثل هذه الجهود ؟
لقد قامت في بلاد الإسلام دعوات متعددة، ولكل إقليم جاهلياته القديمة، مع تربية الأمة عليها من خلال الوسائل المختلفة، وخاصة التعليم والإعلام.
قد لا تصدقون أن الشاعر- أحمد شوقي- الذي يحوي ديوانه عدداً من القصائد الإسلامية، قال قصيدة يمجد فيها الفراعنة، وقد أهدى هذه القصيدة إلى المستشرق ( مر جو ليوث ) أستاذ اللغة العربية، وأستاذ عدد من مفكري مصر في ذلك الوقت، وقال شوقي في مقدمةِ الإهداء له:"نظمتها تغنياً بمحاسن الماضي، وتقييداً لآثار الآباء، وقضاءً لحق النيل الأسعد الأمجد، ونسبتُها إليك عرفاناً لفضلك على لغة العرب، وما أنففت من شباب وكهولة، في إحياء علومها ونشر آدابها"
ومما قاله في هذه القصيدة- واسمحوا لي في هذا النقل، فإن الغرض من ذلك، نقله على سبيل التحذير والرد، وبيان باطله. يقول:
أين الفراعنة الذين استذري بهم عيسى ويوسف والكليم المُصْعقُ
الموردون الناس منهل حكمة أفضى إليها الأنبياء ليستقوا
الرافعون إلى الضحى آباءهم فالشمس أصلهم الوضئ المعرق
وكأنما بين البلى وقبورهم عهدٌ على أن لا مساس وموثق
فحجابهم تحت الثرى في هيبة كحجابهم فوق الثرى لا يُخرق
بلغوا الحقيقة من حياة علمُها حُجب مكثّفة وسرٌ مُغلق
وتبينوا معنى الوجود فلم يروا دون الخلود سعادة تتحققُ
ثم يقول:
لا الفرس أوتوا مثله يوماً ولا بغدادُ في ظل الرشدِ وجلِّق
فرعون فيه من الكتائب مقبلٌ كالسحب قرنُ الشمس منها مفتق
تعنو لعزته الوجوه ووجهه للشمس في الآفاق عانٍ مطرقٌ
آبت من السفر البعيد جنوده وأتته بالفتح السعيد الفيلقُ
ومشى الملوك مصفدين خدودُهم نعلٌ لفرعون العظيم ونُمرُقٌ
مملوكة أعناقهم ليمينه يأبى فيضرب أو يمن فيعتق
ويلاحظ كيف جعل الأنبياء - عليه الصلاة و السلام - يستقون من كلم الفراعنة، بل استذرى بهم عيسى ويوسف وموسى- عليهم السلام - ثم يجعل حضارتهم أعلى من حضارة المسلمين في بغداد ودمشق .
وفي سنة 1953 م - 1373هـ عقد مؤتمر للثقافة الإسلامية برعاية جامعة برنستون ومكتبة الكونجرس بواشنطون، قدمت فيه عدد من البحوث ، وشارك فيه عدد من الباحثين من العالم الإسلامي ومن الغربيين ، كان منهم عدد من الأمريكان، قسس يحترفون التنصير: كالدكتور ( ميلر بروز ) أستاذ الفقه الإنجيلي في جامعة بيل، و ( هارولد سميث ) أستاذ ونائب رئيس قسم الديانات بكلية ويستر، وكان هذا القسيس قبل ذلك رئيساً لقسم الفلسفة والأخلاق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ، وغيرهم ممن لهم مناصب مريبة .
وقد ترجمت بحوث هذا المؤتمر إلى اللغة العربية، بعنوان الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة ، وفي مقدمته تعريف بالباحثين المشاركين .
ولسنا بصدد مناقشات وأطروحات هذا المؤتمر حول الإسلام، وإنما الذي لفت الانتباه أن باحثين غربيين، كتبوا بحثين عرضوا فيه لقضية الآثار وأهمية إحيائها في البلاد الإسلامية.
يقول أحدهما ( د . كون ) : ( منذ الآن يجب أن يبذل عملاء الآثار الغربيين جهداً مشتركاً لتدريب علماء الآثار المسلمين حتى يستطيعوا القيام بالعمل الذي يقومون به ويجب أن يبذل كل جهد ممكن للتأكد من أن هذه الأبنية والأهرام والتماثيل والنقوش سيحافظ عليها ) .
ويقول الباحث الثاني: ( د . ولسون ) :"منذ حوالي قرن مضى - وهذا الكلام سنة 1373هـ أدت عمليات التنقيب الناجحة التي قام بها بوتا ولا بارد، في العراق وما ريت في مصر، وشليمان في تركيا ، إلى تأسيس مصالح للإشراف على التنقيب إلى إنشاء متاحف وطنية"
ثم يقول بعد حديثه عن سقوط الدولة العثمانية: ( والذي حدث هو أن عالم الآثار الغربي في كل دولة من تلك الدول ، قد ساعد في إعداد قانون خاص بالآثار للبلدان الإسلامي الذي يعمل فيه، وأصبح مستشاراً لموظف وطني عُيّن من حكومته مديراً لمصلحة الآثار ) .
ثم يقول مذكراً بما جرى في الغرب من رفضته لمسيحيته وعودته إلى وثنيته الكلاسيكية:
لقد كان الغرب من الثقة بقوته الفكرية، وبإيمانه الديني، بحيث اتخذ أساساً له مواد تنتمي إلى عصر سابق على المسيحية، وقد تمكن بالاعتماد على هذا الأساس القديم من أن يدرس نفسه ويختطَّ سبيله للمستقبل، فهل يصدق هذا القياس على الإسلام ؟
ما الهدف ؟
الهدف واضح ؛ تنشئة الأجيال على القيم التي تستند إلى أساليب الحياة والفكر في هذه الجاهلية الوثنية التي عفى عليها الإسلام .
هذا نموذج لهذه الحرب الموجهة التي تريد أن تفصل بين الأمة الإسلامية وعقيدتها وشريعتها وحضارتها الإسلامية ، وأن يستبدل بها جاهليات وقوميات في كل بلد إسلامي
الصفحة 1 لـ 2
روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه - قال: كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود وتتخذه عيداً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( صوموه أنتم ) ).
وفي رواية: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ، يتخذونه عيداً، ويُلبسون نساءهم فيه حُليهم وشارتهم- أي الزينات- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فصوموه أنتم ) ).
وروى الشيخان- أيضاً - عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: (( ما هذا ؟ قالوا: هذا يوم صالح نجّى الله فيه موسى وبنى إسرائيل من عدوهم، فصامه. فقال صلى الله عليه وسلم:"أنا أحق بموسى منكم ) )، فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه . [ رواه البخاري (2004) ، وفي غير موضع من الصحيح، ومسلم (1130) ] ."
وفي رواية: فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ قالوا: هذا يوم عظيم،
أنجى الله فيه موسى وقومه ، وغرّق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً ، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فنحن أحق وأولى بموسى منكم". فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه (2) .
وفي رواية لأبي داود ( 2445) : حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه ، قالوا: يا رسول الله ! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فإذا كان العام القابل- إن شاء الله- صمت اليوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
قال العلماء: (المعنى: لأصومنّ التاسع والعاشر مخالفة لليهود) .
ووقفتنا- في مناسبة عاشوراء- ومشروعية صيامه عندنا وقفة لا تختص بهذا اليوم، وإنما تمتد لتقعّد قاعدة من قواعد الصراع العقدي بين الإسلام وغيره من الملل والنحل.
وقفة مع قوله صلى الله عليه وسلم لما رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، لأن الله نجّى فيه ونصر موسى ومن معه:"نحن أحق وأولى بموسى منكم"سبق تخريجه
فما الأصول والقواعد التي يدلّ عليها هذا الحديث وغيره من أدلة الكتاب والسنة؟
أولاً: أن العقيدة التي تجمع الأنبياء والرسل جميعاً واحدة، تقوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم.