فهرس الكتاب

الصفحة 9120 من 9994

هؤلاء المراؤون هم أول من تسعر بهم نار جهنم يوم القيامة، كما أخبر الصادق المصدوق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا, قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا, قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ, قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ) ) (1) [1] ، وفي رواية: ثم ضرب رسول الله على ركبتي فقال: (( يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسعّر بهم النار يوم القيامة ) ).

هل هذا فقط ما ينتظر المرائي في الآخرة, لا, بل ويُردُّ عليه عمله ويبطل ويحبط في وقت هو فيه أحوج للحسنة الواحدة، فإذا به يرى أعماله التي دخلها الرياء هباء منثوراً، فعن أبا هريرة قال: قال رسول الله: قال الله تبارك وتعالى: (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) ) (2) [2] .

وقال عز وجل: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:15، 16] .

فينبغي علينا ـ عباد الله ـ أن نحذر هذا الشرك، وأن نخاف على أعمالنا منه، وأن نسأل أنفسنا: ماذا أردتُ بذلك العمل؟ ماذا أردتُ بتلك الكلمة؟ مَن أقصدُ بتلك الطاعة؟ فإن الرياء أمره خطير، وهو مدخل من مداخل الشيطان على الصالحين، وقد خافه النبي على صحابته ـ الذين هم أتقى الأمة ـ بل وخافه عليهم أشد من خوفه من فتنة الدجال، فعن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله ونحن نتذاكر الدجال فقال: (( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يُصلي، فيُزيِّنُ صلاته، لما يرى من نظر رجلٍ ) ) (3) [3] .

وكان السلف يدفعون الرياء عن قلوبهم بإخفاء العمل، فيحرصون على القيام ببعض الطاعات دون أن يراهم أحد. فهذا داود بن أبي هند صام أربعين سنة ـ نفلاً ـ لا يعلم به أهله ولا أحد، وكان خرازاً، يحمل معه غداءه من عندهم، فيتصدّق به في الطريق، ويرجع عشياً فيُفطر معهم، فيظن أهل السوق أنه قد أكل في بيته، ويظن أهله أنه أكل في السوق.

ويقول محمد بن واسع: لقد أدركت رجالاً, كان الواحد منهم يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بلَّ ما تحت خده من الدموع، لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خدّه, ولا يشعر به الذي إلى جنبه.

وهذا لا يعني ـ يا إخواني ـ أن نترك كل الطاعات أمام الناس خوفاً من الرياء!!

فإن الطاعات أنواع:

منها: ما شُرع عمله علانية, كالأذان، وإقامة الجمعة وصلاة الجماعة والأعياد، فهذه لا يمكن إخفاؤها، ولكن يجاهد الإنسان نفسه ليخلص هذه الأعمال لله، وله بذلك أجران: أجر الفعل، وأجر المجاهدة.

ومنها: أعمال يكون إسرارها خير من إعلانها، كالصدقات, كما قال عز وجل: وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [البقرة:271] ، وقراءة القرآن.

فبعض الطاعات ليس ثمة فائدة من إظهارها، كالصدقات، وقيام الليل، وصوم النفل.

وبعض الأحيان يُستحب إظهار العمل لمصلحة ـ كأن يكون قدوة للناس, فيتصدّق ليراه الناس فيتشجّعون على الصدقة ـ فعندها يُظهر الإنسان عمله على حسب المصلحة، إذا لم يخف الرياء (4) [4] .

الخطبة الثانية

إخواني المسلمين, أود أن أنبه لأمرين اثنين:…

الأول: وهو أننا قد نربي أبناءنا على الرياء ونحن لا نشعر! كيف ذلك؟ الطفل عندما يفعل خطأ وتقول له: عيب، ما يقول عنك الناس!! أو تريد منه أن يصلي في المسجد، فتقول له: إذا ما رأيتك في المسجد سأفعل بك وأفعل!! فأنت بهذه الطريقة ربيت ابنك على التعلّق بالناس، والخوف من نقدهم، والتصنّع لهم، وضخمت له ذلك وجعلته هدفا له، يسعى ليرضي الآخرين!! فتراه إذا كان الأب غائبا لم يُصلِّ، وإذا لم يره أحد فعل المعاصي، وكل ذلك من أسباب زرع بذور الرياء في القلب. والواجب على الأب أن يخوّف الولد من الله, ويُعلّق قلبه بربه، ويَغرس في نفسه مراقبة الله, وأنه يراك، وإذا لم تُصل أبغضك الله، وإذا أبغضك لم تفلح في الدنيا ولا في الآخرة.

فتربية الابن بالترغيب بما عند الله من الثواب، والترهيب بما عند الله من العقاب هو الذي ينمّي في قلب الطفل مراقبة الله في كل مكان، وفي أي زمان، ولو لم يره أحد.

التنبيه الثاني: بعض الناس من شدّة خوفه من الرياء, يجرّه ذلك لترك العمل، يريد أن يقرأ القرآن في المسجد, فيأتيه الشيطان ويقول له: أنت مرائي، لا تقرأ أمام الناس، فيترك القراءة، وغيرها كثير من الأمثلة، فهذا هرب من شر فوقع في شر، وهذا لا شك من وساوس الشيطان، حتى يحرمك من الخير.

يقول القاضي عياض:"ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك". يقول النووي معلقاً:"معنى كلامه رحمه الله: أن من عزم على عبادة ـ لله ـ وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مُراءٍ، لأنه ترك العمل لأجل الناس, والترك عمل، فهو بهذا الترك عمل لأجل الناس، فوقع في الرياء"اهـ.

فترك العمل خوفاً من الرياء حبالة من حبالات إبليس، لذلك يُنصح من أتته هذه الوساوس ألا يلتفت إليها، وأن يمضي في العمل الذي عزم عليه لله إغاظة للشيطان.…

(1) أخرجه مسلم في صحيحه.

(2) أخرجه ابن ماجه، وهو حديث حسن.

(3) أخرجه ابن ماجه، وهو حديث حسن.

(4) مقاصد المكلفين للأشقر، (ص470) .

عادل بن عدنان النجار

الكويت

العثمان

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-الإخلاص شرط في قبول الأعمال. 2- الشكر الخفي (الرياء) نوع من أنواع الشرك. 3- جزاء المرائين يوم القيامة.

الخطبة الأولى

عباد الله، إن إخلاص العمل لله وحده من أوجب الواجبات، ومن أبر الطاعات، وهو أساس لكل عمل صالح، إذا خلا العمل من الإخلاص، فلا قيمة له ولا ثواب له في الدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت