أيها المؤمنون إن الله سبحانه وتعالى قد اصطفى بعض الأوقات والأزمنة وخصها بفضائل ومواهب ميزها بها عن غيرها من الأزمان ففضل الله سبحانه الأشهر الحرم على غيرها من الأشهر ببعض الفضائل والأحكام قال الله تعالى: ?إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ? (15) وهذه الأشهر قد بينها النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: (( إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ) ) (16) متفق عليه فشهرنا هذا شهر رجب هو أحد الأشهر الحرم التي نهانا الله سبحانه فيها عن ظلم أنفسنا ويكون ذلك بالكف عن الفحشاء والمنكر قال الأول:
شهر حرام أتى من أشهر حرم فكف فيه عن الفحشاء والريب
فيا أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى حق تقاته وقوموا بما أمركم الله تعالى به من تعظيم حرماته وشعائره فإن ذلك من تقوى القلوب .
أيها المؤمنون إن مما أحدثه الناس في هذا الشهر تخصيصهم شهر رجب بأنواع من البدع والمحدثات فمن ذلك تخصيصُهم أول جمعة من هذا الشهر بصلاة يسمونها صلاة الرغائب ومن ذلك أيضاً تخصيصهم شهر رجب بالصيام أو بصيام أيام معينة منه ومما أحدثوه أيضاً تخصيصهم شهر رجب بالعمرة التي يسمونها الرجبية وكل هذا من البدع والمحدثات التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا السلف الصالح وهي لا تزيد العبد من الله إلا بعداً ففي الصحيح من حديث عائشة مرفوعاً: (( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) ) (17) قال ابن القيم رحمه الله:"وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعداً فإن الله تعالى إنما يُعبد بأمره لا بالآراء والأهواء" (18) فاتقوا الله عباد الله والزموا الكتاب والسنة فإنه لا نجاة للعبد إلا بهما واعلموا أنه لم يثبت من هذه المحدثات شيء ،وقد قال الأول:
وخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
قال ابن حجر رحمه الله:"لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة" (18) . فاحذروا أيها المؤمنون البدع والمحدثات
فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
اللهم اجعلنا من العاملين بالكتاب والسنة المتمسكين بهما .
(1) سورة: الذاريات: آية (56) .
(2) سورة: الطلاق: آية (12) .
(3) سورة: فاطر: آية (15) .
(4) متفق عليه: البخاري (1458) ، ومسلم (19) .
(5) مسلم (23) .
(6) البخاري (5401) .
(7) مسلم (27) .
(8) مسلم (26) .
(9) مالك (498) .
(10) البخاري (99) .
(11) أحمد (6547) .
(12) الترمذي (2639) .
(13) سورة: إبراهيم: آية (24-25) .
(14) سورة: المائدة: آية (72) .
(15) سورة: التوبة: آية (36) .
(16) البخاري (3197) ، ومسلم (1679) .
(17) مسلم (1817) .
(18) مدارج السالكين (1/96)
(19) تبيين العجب صـ21
العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة: أن لا إله إلا الله . والتلقي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كيفية هذه العبودية - هو شطرها الثاني ، المتمثل في شهادة أن محمداً رسول الله .
والقلب المؤمن المسلم هو الذي تتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها ، لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان ، وأركان الإسلام ، إنما هو مقتضى لها . فالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، وكذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج ، ثم الحدود والتعازير والحل والحرمة والمعاملات والتشريعات والتوجيهات الإسلامية ... إنما تقوم كلها على قاعدة العبودية لله وحده ، كما أن المرجع فيها كلها هو ما بلَّغه لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه .
والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضايتها جميعاً لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضايتها فيه لا يكون مسلماً .
ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها ، فلا تقوم هذه الحياة قبل أن تقوم هذه القاعدة ، كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه القاعدة ، أو قامت على قاعدة أخرى معها ، أو عدة قواعد أجنبية عنها:
{ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } ... [ يوسف: 40 ]
{ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } .. [ النساء: 80 ]
هذا التقرير الموجز المطلق الحاسم يفيدنا في تحديد كلمة الفصل في قضايا أساسية في حقيقة هذا الدين ، وفي حركته الواقعية كذلك:
إنه يفيدنا أولاً في تحديد"طبيعة المجتمع المسلم".
ويفيدنا ثانياً في تحديد"منهج نشأة المجتمع المسلم".
ويفيدنا ثالثاً في تحديد"منهج الإسلام في مواجهة المجتمعات الجاهلية".
ويفيدنا رابعاً في تحديد"منهج الإسلام في مواجهة واقع الحياة البشرية".
وهي قضايا أساسية بالغة الخطورة في منهج الحركة الإسلامية قديماً وحديثاً .