فهرس الكتاب

الصفحة 8211 من 9994

ومن الإفراط: الغلو في الدين في كل شرائعه، لابد من الوقوف عند الحدود، (( تلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ) ) [البقرة:229] .

وأيضًا: قال (( تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) ) [البقرة:187] .

فالقُرب من حدوده التي نهانا عنها تفريط، وتعدِّي الحدود إفراط، وكلاهما خلاف الاستقامة.

فالاستقامة تقتضي الوقوف عند حدود الله التي أذن فيها من واجب، ومستحب، ومباح، وَتَجنُّب الحدود التي نهى الله عنها، فنهى عن القرب منها .

إذًا: السَّير إلى الله لابد أن يكون في الطريق الوسط، وهو الذي يُسمَّى في النصوص الصراط.

ما هو الصراط ؟

الصراط: هو دين الله، هو الإسلام، هو القرآن.

دين الله هو الصراط الذي نَصَبَهُ الله للعباد طريقًا يسيرون عليه إليه I .

فالعبد في ضرورة إلى هداية الله، وهدايةُ الله لهذا الصراط يتضمن الاستقامة (( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ) ) [الفاتحة:6] .

اهدنا: أَوْجَبَ الله علينا أن نستهديه الصراط في كل ركعة ، (( اهدِنَا ) )هذا أوجب وأفضل وأنفع دعاء .

الهداية هنا تشمل نوعين:

1-هداية الدلالة والإرشاد.

2-هداية التوفيق، وهداية التوفيق تتضمن الثبات على الطريق .

يتبع بإذن الله تعالى

[1] ) انظر: التعريفات للجرجاني ص37 .

[2] ) [صحيح] أخرجه مسلم (38) ، وأحمد في المسند (3 / 413) من حديث سفيان عبد الله الثقفي t .

[3] ) [صحيح] أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 191) من حديث عبد الله بن عمرو t ومسلم .

[4] ) [صحيح] أخرجه البخاري (52) ، ومسلم - واللفظ له - ( 1599) من حديث النعمان بن بشير t

[5] ) [صحيح] تقدم قبله من حديث النعمان بن بشير t

[6] ) [صحيح] تقدم من حديث عبد الله بن عمرو t .

تحدث فضيلة الشيخ في المقال السابق عن تعريف الإستقامة وفضلها وحقيقتها وما تتحقق به وفي هذا المقال يكمل ماتبقى من الموضوع .

إدارة الموقع

خامساً: القوادح في الاستقامة

لمَّا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستقامة ، نهاه عن ضِدِّها، وهو الطغيان، والمَيْل إلى الكافرين والظالمين، والفاسقين والمنافقين، فقال: (( وَلاَ تَطْغَوْاْ ) ).

الطغيان ضد الاستقامة، تجاوز، وإفراط، وتعدِّي لحدود الله، وإمعان أيضًا في الباطل، قال: (( وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ).

فقوله تعالى: (( وإنه بما تعملون بصير ) )فيه وعد ووعيد، وإذا كان صلى الله عليه وسلم بصيراً بما يعمله العباد، فإنه سيجزيهم بما علمه، ورآه من أعمالهم التي وقعت منهم حقيقة، على الخير خيرًا، وعلى الشرِ بما يستحقون .

قال تعالى: (( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) ).

الركون: هو المَيْل، وهو أيضًا ضد الاستقامة .

والاستقامة تتضمن مفاصلة أعداء الله، وبُغْضَ أعداء الله، والحذرَ من طاعة أعداء الله، قال تعالى: (( وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) ) [الأحزاب:48] .

وطاعتهم من الركون إليهم .

قوله تعالى: (( فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) ) [هود:113] . فيه وعيد شديد وتهديد لمن ركن إلى الظالمين وينبغي أن يُعلم أن أكثر ما يطلق عليه اسم الظلم في القرآن الشرك، قال تعالى: (( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ ) ) [يونس:106] .

وقال: (( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ) [لقمان:13] .

ويشمل الظلم أنواع الظلم، وقد يُراد به في بعض المواضع ما دون الشرك، مثل الآية التي أَشَرْتُ إلى معناها، قال تعالى: (( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ) [فاطر:32] .

هذه الأصناف هي أصناف المؤمنين بالكتاب وبالرسول، منهم الظالم لنفسه المُخلِّط، ومنهم المقتصد وهو المتوسط، ومنهم السابق بالخيرات وهم المقربون .

سادسًا: أسباب الاستقامة

1 -صحة الإيمان واليقين:

لأن الانحراف والفتور والتراجع ينشأ عن ضعف اليقين، كلما كان الإيمان أقوى كلما تحققت الاستقامة، وتكاملت، وتمت، قال تعالى: (( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ ) ) [الروم:60] .

فاليقين يحمل على الصبر، والصبر هو قاعدة الاستقامة ، فكل من الصبر واليقين عماد للاستقامة .

فالاستقامة والسير على الطريق، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي تفتقر إلى اليقين والصبر.

فما يُؤْتَى الإنسان إلا من ضعف إيمانه، ومن ضعف يقينه، ومن ضعف صبره.

2 -التبصر بالدين:

والعلم بما جاء به الرسول من الكتاب والحكمة والتبصر فيهما، التدبر لهما، تدبر القرآن يُورِث معرفة بما أمر الله به وبما نهى عنه، وفي القرآن الترغيب والترهيب والوعد والوعيد.

فالعلم بهذه النصوص واستشعارها واستحضارها من أسباب الاستقامة، أن تَعْلَم أن الله أمرك، أن تعلم عاقبة الطاعة، وعاقبة المعصية وعاقبة تركها، فالعلم بذلك واستشعاره من أسباب الطاعة .

الانحراف إما أن يكون لعدم العلم أو لعدم اليقين، وعدم الإيمان التام، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) ) [1] .

الزاني المسلم ما يَكْفُر بزناه، لكنه يفتقد الإيمان الوازع، فالزاني ما زنى والشارب ما شرب والسارق ما سرق إلا عندما زال عنه الإيمان الرادع، الذي يحمل على الكفِّ، فقد يتوفر هذا الإيمان فتحصل الاستقامة باجتناب ما حَرَّمَ الله، وهكذا في المأمورات، فالإيمان هو الوازع، وهو يقوم على العلم .

3-الدعاء:

فيسأل الإنسان ربه الثبات"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم اهدني الصراط المستقيم"فالدعاء الواجب والمستحب يتضمن سبب من أسباب الاستقامة.

ومن الأدعية: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ) ) [2] ، (( اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي ) ) [3] .

فسؤال الهداية، وسؤال الثبات، واستمداد العون من الله هي من أسباب الاستقامة (( اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ) ) [4] ، فبدون هداية الله وعونه وتوفيقه لا يصل الإنسان إلى شئ، ولا يقوى على شيء، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

4-اختيار الصحبة الصالحة:

فالصحبة الصالحة الذين يُذَكِّرون الإنسان إذا نسي، ويأمرونه بما يجب عليه، وينكرون عليه إذا انحرف، ويعينونه إذا كَسُلَ، قال تعالى: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) ) [التوبة:71] .

المؤمن إن أصابه شيء احتسبه: قال صلى الله عليه وسلم: (( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) ) [5] .

سابعًا: آثار الاستقامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت