فهرس الكتاب

الصفحة 8427 من 9994

لقد كان أسلافنا عَبَرَ القرون قد تقع منهم المخالفة ولكن سرعان ما يبادرون بالتوبة والاستغفار والصدقة وحلِّ عَقْد الإصرار ، يخرجون إلى الاستسقاء بقلوب خائفة ، وأعين دامعة ، فيدعون بصدق ويتضرعون إلى ربهم تائبين إليه ، فيجود عليهم الكريم الوهاب ـ الرحمن الرحيم ـ بما قَدّرَهُ لهم .

أصاب الناس قحطٌ ببخارى في القرن الثالث فقام الإمام العابد أحمد بن حرب رحمه الله فاستسقى والناس معه فما انصرفوا إلا وهم يخوضون في المطر .

ويقول منصور بن عمار الرجل الصالح الواعظ لما قدمتُ مصر كانوا في قحط فلما صلّوا الجمعة ضجوا بالبكاء والدعاء فحضرتني نيّة فصرتُ إلى صحن المسجد وقلت: يا قوم تقربوا إلى الله بالصدقة فما تُقرِّب بمثلها ثم رميتُ بكسائي فقال: هذا جهدي ، فتصدقوا حتى جعلت المرأة تُلقي خُرصها حتى امتلاء الكساء ثم هطلت السماء بالمطر وخرجوا يمشون في الطين .

فمتى علم الله بصدق العبد صار أسرعَ بكل خير إليه .

إننا لا نقنط العباد من رحمة الله كيف وهو الحليم الشكور المنعم المتفضل لكن إصرار العبد على كبائر الإثم يهلكه في الآخرة إن لم يصبه ، وأثر ذلك في دنياه من قسوة يجدها في قلبه أو ضرر في بدنه أو ماله أو أهله.

المعاصي والذنوب شؤمها في البر والبحر ، بسببها يحصل الهم والغم والعقد النفسية والأزمات الاقتصادية .

المعصية سببٌ لهوان العاصي على ربه ، يَرْفَعُ مهابته من القلوب (( وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ) ) (الحج:18) .

حينما فتح المسلمون جزيرة قبرص بكى أبوا الدرداء رضي الله عنه وهم يقسمون الغنائم فقيل له: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم اعز الله فيه الإسلام وأهله ؟ فقال: ما اهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره .. بينما هي أمة قاهرةٌ ظاهرة لهم الملك والسلطان تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى .

فيا من ارتكب المعاصي ولازمها واستأنس قلبه بها حتى ذهب عنه استباحها كيف رضيت لنفسك أن تكون من حزب الشيطان ، ما الذي يجعلك تجاهر بالمعصية وتفاخر بالذنب ؟ فلعلك تطلب عدم المعافاة من معصيتك يقول صلى الله عليه وسلم: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل العبد بالليل عملاً ثم يصبح قد ستره ربُّه فيقول: يا فلان قد عملتُ البارحةَ كذا وكذا وقد بات يستره ربُّه فيصبح يكشف ستر الله عليه ) ).

إنَّ مِنْ أعظم البلاء ألا يَشْعُرَ العاصي بما نزل به من عقوبة حتى ولو كانت موت القلب وأشدُّ وأشدُّ ما يقع من الفرح والسرور بما هو فيه من ذنب وفجور عياذاً بالله .

فيا أيها المضيّعون للصلاة ، الساهرون على ما حرم الله ، المنتهكون لحرمات الله عوداً إلى ربكم فها هي النُّذرُ أمامكم ، وهذا كتاب الله بين أيديكم وها هو الموت بينكم فما عذركم ؟

أما وضح السبيل ! وقامت الحجة ، أوما رأيتم كيف فُعل بأقوام من العصاة نزل بهم بأس الله فما استطاعوا له رداً (( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) ) (يس:30-31) .

فلا تغتروا بستر الله عليكم وإمهاله لكم فإن أخذه أليمٌ شديد .

أين علامة الإيمان يا من يدعيه ؟ أين تأثير الوعظ يا من يسمعه ويعيه ؟ فاتق الله في نفسك فأنك على حر النار لا تقوى ، وتب إلى ربك فإنك عما قليلٌ صائر إليه .

اللهم أعطنا من الخير فوق ما نرجو، واصرف عنا من السوء فوق ما نحذر .

هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله الحليم التواب غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صلى وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما تعاقب الليل والنهار والتابعين ومن تبعهم بإحسان .

أما بعد: فيا عباد الله لقد غفلنا ولم يغفل عنا ، ولهونا وما تركنا ، شيعنا الجنائز وما اعتبرنا ورأينا كيف تتقلب الدنيا بأهلها ؟ وكيف ينتقلون إلى المقابر بعد الدور والقصور .

القرآن بيننا بوعده ووعيده ، وترغيبه وترهيبه ، والسننُ الإلهية تحيط بنا من كل جانب والأيام والليالي تمرُّ مسرعة ومع هذا تزيد عندنا الغفلة ، وقلما يخطر على بالنا ذكر الآخرة ، أو يذكّرُ به في مجالسنا المستمرة .

أيها المسلمون: تذكروا أن معصية الله والإصرار على الذنب يُقَسّي القلب ومن ثم لا ينتفع بموعظة ولا تذكير .

التمادي في كسب السيئات يكسب الوجه سواداً ، والقلب ظلمة ، والبدن وهناً .

إخوة الإسلام: وكم هو عظيم شهر الصيام وكم فيه من حكم وإسرار يدرك كل صائم منها بحسب علمه وإيمانه وتعبده لمولاه، ويكفيه أنه باب مشرع لكل طرق الخير، من صيام وصلاة وزكاة وصدقة وذكر ودعاء وتلاوة وجود وإحسان وصبر ويقين واحتساب للأجر العظيم ويكفيه أنه طريق للتقوى، والتقوى جماع الخير وسبيل الفلاح والنجاح.

(( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ) ) ( الطلاق:2-3) .

(( إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ) ( يوسف:90) .

كم يكسر باعث الشهوة للنفوس عن السمو، وشهر الصيام يحطم كبرياء النفس بكسر باعث الشهوة في قلب المعاصي وهذا كما قال القرطبي رحمه الله وجه مجازي حسن في تأويل معنى قوله تعالى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) ( البقرة:183) .

وقيل: لتتقوا المعاصي بالصيام ، وقيل: وهو على العموم لأن الصيام كما ورد جنة ووجاء وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات [1] [1] .

أجل إن الصيام جنة يتقى بها الصائم عن المآثم والسيئات والمهلكات المؤدية إلى النار كما يتقى المحارب بجنة حين القتال فيمنعه القتل ويسلمه من العدو بإذن الله.

يجسد هذا المعنى رسول الله صلى الله في اكثر من حديث ويقول: (( الصيام جنة إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم -مرتين- [2] [2] ) ).

وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: (( الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال ) ).

وفى الحديث الثالث: (( الصيام جنة، وهو حصن من حصون المؤمن ) ).

إخوة الإسلام: وفى شهر الصيام فرصة للتخفيف من أثقال الأوزار، فيه تطهير للنفوس من الأدران وحماية القلوب من الأدران، وهذه وتلك قد لا يحس بواطأتها إلا من أثقلت نفوسهم المعاصي، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فلما حل شهر رمضان وصاموا مع تفريطهم وأحسوا بانشراح صدورهم وخفة أرواحهم وانفراج في كربتهم وأنس بدل وحشتهم، وذلك بفعل الصيام، وكذلك تتنزل الرحمات في رمضان وغير رمضان.

فبشراكم معاشر المسلمين بشهر الصيام يرتفع فيه المؤمنون درجات وتحط به الأوزار عن أهل السيئات.

ولا يزال الصيام بالمسلم يحوطه ويؤنسه حتى يكون شافعا له لدخول الجنة والنجاة من النار يوم القيامة، وكذلك يفعل القرآن يقول النبي: (( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ويقول الصيام: أى رب، إني منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه فيشفعان ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت