فهرس الكتاب

الصفحة 8508 من 9994

من الكُفرِ بالنعمِ السهرُ والسمرُ بالليلِ لغيرِ حاجةٍ، إذ جَعلَ اللهُ الليلَ للسكنِ والنهارَ لطلبِ المعاشِ، فمن لم يُقَدر فضلَ اللهِ عليهِ لم يكُن شاكراً، قال تعالى: (( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ) ) (سورة غافر:61) .

ومن الكُفرِ بالنعمِ الإسرافُ في المآكلِ والملابسِ، في المُناسباتِ وغيرها، ومن الكُفرِ بالنعمِ تضييعُ الصلاةِ ومنعُ الزكاة.

فاتقِ اللهَ أيُّها المُسلمُ والمسلمة، واحذر مغبةَ الكُفرِ بنعمِ اللهِ، لئَلاَّ تكونَ من الخاسرين، (( بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ ) ) (سورة الزمر: 66) .

نسألُ اللهَ تعالى أن يُعينَنَا على ذكرهِ وشُكرهِ وحسنَ عبادته.

أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيم لي ولكم، ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ فاستغفروهُ إنَّهُ هُو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

(( الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ ) ) (سورة الأنعام:1) .

وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له، (( لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) (سورة القصص:70) .

وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ ومن تبعهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدين وسلم- تسليماً كثيراً.

أمَّا بعد:

فيا أيُّها المُسلِمُون:

اتقوا الله تعالى، واعرِفُوا قدرَ نعمِ اللهِ عليكم ولا تُعرضُوها للزوالِ، قال تعالى: (( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ) (سورة النحل:112) .

لقد أنعمَ اللهُ أيُّها المُسلمون على أهلِ هذهِ القريةِ بنعمتينِ، نعمةَ الأمنِ ونعمةَ الرخاءِ، ولعِظمِ هاتينِ النِعمتينِ امتنَّ اللهُ بهما على قريشٍ ودعاهم إلى القيامِ بحقِّهما من الشكرِ بعبادةِ اللهِ الواحدِ الأحد، قال تعالى: (( لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ* إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ) ) (سورة قريش) .

قولهُ عن القريةِ: (( كَانَتْ آمِنَةً ) ).

أيّْ ذاتَ أمنٍ يأمنُ فيها أَهلَها أن يُغارَ عليهم، وقوله: (( مُّطْمَئِنَّةً ) ).

أيّْ ساكنةً بأهلِها لا يُزعِجُهم خوفٌ ولا قلق، ولا يحتاجُونَ إلى الانتقالِ عنها لضيقٍ أو نحوهِ، وقوله: (( يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ ) ).

أيّْ يأتي أهلُها معيشتَهم واسعةً طيبةً من كلِّ فجٍ، من فجاجِ القريةِ، وكلِّ بلدٍ من بلادِ اللهِ، فلا يُعانُونَ نقصاً في الغذاءِ ولا قلة، ولا يخشونَ انقطاعاً لسُبلِ الرزقِ وهذا ما يُسمى بالأمنِ الغذائِي، وهُو لا يقلُّ أهميَّةً عن الأمنِ النفسي، بل قد يكونُ أهمُّ منهُ عندَ من يقولُ بالمثلِ القائل: ( قطعُ الأعناقِ ولا قطعُ الأرزاق) ، ذلكَ أنَّ قطعَ الأرزاقِ قد يُسببُ اختلالُ الأمنِ، فتحصلُ البطالاتُ، وتكثرُ السرقاتُ والاعتداءاتُ، فأهلُ هذهِ القريةِ كانوا في نعمةٍ عظيمةٍ لكنَّهم لم يُقدِرُوهَا حقَّ قدرِها، ولم يشكُروا اللهَ عليها، بل كانَ موقِفُهم حِيالَها كما قال تعالى: (( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ ) )وعبَّرَ بالجمعِ في قولهِ بأنعمِ الله، لأنَّ حالةَ الأمنِ والرخاءِ التي كانوا فيها تتضمنُ نعماً كثيرةً لا يُحصِيها العدُّ، ولقد أخبرَ اللهُ جلَّ وعلا بما آلَ إليهِ أمرُهُم بعد الكُفرِ بأنعمِ الله، إذ أبلدَهُم بالأمنِ خوفاً، وبالرخاءِ جُوعا، (( فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ).

نسألُ اللهُ تعالى أن يُوفِقَنا لحسنِ القولِ والعملِ، وأن يُعيذنا من شُرُورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا .

إنَّ اللهَ وملائكتهُ يُصلونَ على النبي

إنَّ الحمدَ لله نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديه، ونعوذُ باللهِ من شُرُورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهدهِ اللهُ فلا مُضلَ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم- تسليماً كثيراً.

أيها المسلمونَ:

الإسلامُ دينُ العزةِ والكرامةِ ، ودينُ السموِّ والارتفاعِ ، ودينُ الجدِّ والاجتهادِ ، فليسَ دينَ ذلةٍ ومسكنةٍ ، ولا دينَ كسلٍ وخمولٍ ودعةٍ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ:"إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ كريمٌ يحبُ الكرماءَ و يحبُ معاليَ الأمورِ، ويكرهُ سفسافَها" [1]

أيها الأخوةُ في الله ِ:

إن من الأمراضِ التي تُعاني منها الأمةُ في وقتِنا الحاضرِ مرضَ دناءةِ الهممِ وضعفِ العزائمِ وتقاصرِ النفوسِ والميلِ إلى الدعةِ ، وإيثارِ الراحةِ ، والإخلادِ إلى الأرضِ والقعودِ عن المكارمِ ، والولعِ بمحقراتِ الأمورِ ، أصبحتْ هممُ الناسِ محصورةً في مطاعِمِِهم وملابسِهم ، أما طلبُ المعالي ، ونشدانُ الكمالِ ، فلا يخطرُ له ببالٍ ، ولا يحومُ لهمْ حولَ ما يشبههُ خيالٌ .

انظرْ إلى هممِ الناسِ في طلبِ العلمِ فإنّ الكثيرَ لمْ يقضِ حقَّ العلمِ بل لم يدرِ ما شرفُ العلمِ ذلك الذي يطلبُهُ لينالَ بهِ رِزقاً، أو ينافسَ فيهِ قريناً ، حتى إذا أدركَ وظيفةً ، أو أنسَ من نفسِهِ الفوزَ على القرينِ أمسكَ عنانهُ ثانيةً ، وتنحَّى عن الطلبِ جانباً ..وانظر إلى هممهمْ في الدعوةِ إلى هذا الدينِ فكمْ منَ المسلمينَ من يتوانى عنْ هذا الشَّرفِ العظيمِ مَعَ ما عِندهُم من العلمِ والبيانِ، وكمْ ممن يدعو إلى اللهِ من تضعفُ نفسُهُ ، وتدنو هِمَّتُهُ عندَ أدنى عقبةٍ تعترِضهُ ، إمَّا من كلامِ الناسِ أو من إعراضِهم، أينَ هؤلاءِ مِنْ سيرِ الأنبياءِ والمرسلينَ والعلماءِ العاملينَ ، والدعاةِ المخلصينَ ؟ بل أين هُم مِنْ أهلِ الباطلِ ودعاةِ الضلالِ الذين يجهدونَ ويألمونَ في نَصرِ باطِلِهم ، وهم لا غايةً شريفةً لهم يطلبُونها ؟بلْ أينَ هم من عشاقِ المناصبِ ، ومن ضحايا الغرامِ والغزلِ ، ممن يُضحِّي أحدهم بكل ما يملكُ في سبيلِ مطلوبِهِ .

إن هذا هو المصابُ الجللُ، والخطبُ الفادحُ أن تجدَ أنصارَ الحقيقةِ ودعاةَ الحقِّ متخاذلينَ متضعضعينَ، يفقدونَ روحَ الصبرِ والمصابرةِ ، وخلُقُ الجدِّ والمثابرةِ،

أيها الأخوةُ في اللهِ:

إن هذا الداءِ العضالِ ما أصابَ الأمةَ وانتشرَ فيها إلا بأسبابٍ وأعظمُ تلكَ الأسبابِ الوهنُ (( حُبُّ الدُّنيا وكراهِيةُ الموتِ ) ).

يقولُ اللهُ جلَّ جلالُهُ: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ) ) (التوبة:38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت