فهرس الكتاب

الصفحة 8509 من 9994

فثقْلةُ الأرضِ ومطامعِ الأرضِ وتصوراتُ الأرض،ِ ثقلةُ الخوفِ على الحياةِ والخوفِ على المالِ والخوفِ على اللذائِذِ والمصالحِ والمتاعِ، ثقلةُ الدعَةِ والراحةِ والاستقرارِ، ثقلةُ اللذاتِ الفانيةِ والأجلِ المحدودِ والهدفِ القريبِ، ثقلةُ اللحمِ والدمِ والترابِ ، تشدُّ إلى أسفلَ ، وجاذبيةُ الأرضِ تقاومُ رفرفةَ الأرواحِ وانطلاقَ الأشواقِ قال الله تعالى: (( إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ) ) (الانسان:27) .

إن هؤلاءِ القريبي المطامِحِ والاهتماماتِ ، الصغارَ المطالبِ والتصوراتِ ،هؤلاء الصغار الزهيدين الذين يستغرقون في العاجلة، إنَّ هؤلاءِ لا يُطاعونَ في شيءٍ ، ولا يُتبعونَ في طريقٍ ، ولا يلتقونَ مع المؤمنينِ في هدفٍ ولا غايةٍ ، ولا يؤبَهُ لما هم فيهِ من هذهِ العاجلةِ من ثراءٍ وسلطانٍ ومتاعٍ، فإنما هي العاجلةُ ، وإنما هو المتاعُ القليلُ ، وإنما هُمُ الصغارُ الزهيدُونَ [2] .

قدمَ ابنُ عمٍّ لمحمدِ بن واسعٍ عليهِ فقالَ لهُ: من أينَ أقبلتَ ؟ قال من طلبِ الدُّنيا . فقالَ لهُ هل أدرَكتها؟ فقالَ لهُ: لا فقالَ محمدٌ: يا سبحانَ اللهِ ! أنتَ تطلُبُ شيئاً ولم تدركهُ ، فكيفَ تدركُ شيئاً لم تطلبهُ ؟!

أيها المسلمُ إنما خُلقتْ الدُّنيا لتجوزَها لا لتحوزَها ، ولتعبرَها لا لتعمرَها ، فواعجَبا لِذي لبٍّ كيف ينفقُ العمرَ الشريفَ في طلبِ الفانيِ الرذيلِ ؟ إنَّ الهوى مِرعادٌ مِبراقٌ ، بلا مطرٍ ، الدُّنيا لا تساوي نقلَ أقدامِكَ في طلبِها ، أرأيتَ غزالاً يغدو خلفَ كلبٍ ؟ إن الدنيا أسحرُ من هاروتَ وماروتَ ، ذانِكَ يفرقانِ بين المرءِ وزوجهِ ، وهذهِ تُفرقُ بين العبدِ وربهِ ! وكيفَ لا ، وهي التي سحرتْ سحرةَ بابلَ ، إن الدُّنيا إن أقبلتْ شغلتْ ، وإن أدبرتْ قتلتْ .

أيها المسلمونَ:

ومن أسبابِ ضعفِ الهممِ سوءُ التربيةِ المنزليةِ .

فالتربيةُ المنزلية لها دورٌ عظيمٌ في توجيهِ الأولادِ سلباً أو إيجاباً ؛ فالبيتُ هو المدرسةُ الأولى للأولادِ، والولدُ قبلَ أن تربيهِ المدرسةُ والمجتمعُ يربيهِ البيتُ والأسرةُ ، وهُو مدينٌ لوالديهِ في سلوكِهِ المستقيمِ ، كما أن والديهِ مسؤولانِ إلى حدٍ كبيرٍ عن انحرافِه وفسادهِ، فكمْ ممن أشقى ولدهُ ، وفلذةِ كبدهُ في الدنيا والآخرةِ بإهمالِهِ، وتركِ تأديبِهِ، وإعانتِه على شهواتِهِ، ويزعُمُ أنه يُكرمُهُ وقد أهانَهُ ، وأنه يرحمُهُ وقد ظلمُهُ، فكمْ من الناسِ من يُربِّي أولادَهُ على الميوعةِ والترفِ ، والبذخِ والطيشِ ، فينشأ الولدُ مترفاً منعماً ، همهُ خاصةُ نفسِهِ فحسبُ ، فلا يهتمُّ بالآخرينِ ، ولا يسألُ عن إخوانِهِ المسلمينَ ، فلا يشاركُهمْ أفراحَهُمْ ، ولا يشاطِرُهمْ أتراحَهمْ .

وكمْ من الناسِ من لا يُربِّى أولادهُ على معالي الأمورِ، وإنما يربيهم كما تُربِّي الخرافُ سواءٌ بسواءٍ ، فلا همَّ لهُ من أولادِهِ إلا مطعمِهِم وملبسهُمْ ، وتلبيةُ كافةِ رغباتِهم ، أما ما عدا ذلكَ فلا يخطُرُ له ببال، ومن هنا ينشأ الولدُ بليداً ساقطَ الهمةِ ، قليلَ المروءةِ ..

ومن الناسِ من هُو بعكسِ ما مضى ، حيثُ تجدُهُ يشتدُ على أولادِهِ ، ويقسو عليهم أكثرَ من اللازمِ .. ومنهم من يهزأ بهِمْ ولا يرى أنهم أهلٌ لشيءٍ من المكرماتِ، ومنهم من لا يأبَهُ بمحادثةِ أولادهِ، ولا يُلقي بالاً لتعليمِهم آدابِ الحديثِ وطرائِقِه ومنهمْ من يشتدُ بالتقتير عليهم ورُبَّما قصرَ عليهم في حاجاتِهمُ الضروريةِ مع قدرتِهِ على توفِيرها لَهُم، إن هذه الأنماطَ من التربيةِ مما يحولُ بين الأولادِ وبين عزةِ النفسِ وما يتبعُها من قوةِ القلبِ وأصالةِ الرأيِ ، بل هي مما يُولَّدُ الخوفَ في نفوسِهم ، ومما يورثُهُم الذلةَ والمهانَة والخجلَ الشديدَ وفقدانَ الثقةِ بالنفسِ.

ومن أسبابِ دُنوِّ الهمةِ صحبةِ البطالينَ ومرافقةُ المخذلينَ:

إن مجالسةَ البطالينَ والمخذلينَ ومرافقتَهم تنساقُ بصاحِبها إلى الحضيضِ فكلما همَّ بالصعودِ عوقوهُ عن همتِهِ ، وثنوهُ عن عزمتِه، تارةً بالتخذيلِ وتارةً بالتخويفِ، وتارةً بوضعِ العراقيلِ وهكَذا، ولو لمْ يأتِهِ من مجالسةِ هؤلاءِ إلا أنهُ يقارِنُ حالهُ بحالِهم، فيتعاظمُ في نفسِهِ، ويرى أنهُ أرفعُ منهم قدراً، وأعلا منهمْ منزلةً ، فلا يسعى في إصلاحِ حالِهِ ، ولا في رفعِ شأنِهِ ، بل ربما قادهُ ذلك إلى مقارنةِ سيئاتِهِ بسئاتهِم ، فيستقلُّ سيئاتِه بجانِب سيئاتهم ، فيجُرُّهُ ذلكَ إلى الجرأةِ والإقدامِ على فعلِ الموبقاتِ والآثامِ ..

ومنْ أعظمِ أسبابِ دنو الهِممِ أيها الأخوةُ: اختلاقُ المعاذيرِ،والتماسُ المسوغاتِ.

التي نسوِّغُ بها إخفاقَنا، ونعلقُ عليها عجزنا. وكثيراً ما تكونُ تلكَ المعاذيرِ مجردَ أوهامٍ لا حقيقةً تحتها ، فلا تزالُ تلك الأوهامُ تكبرُ شيئاً فشيئاً حتى تكوّنَ لنا سداً كبيراً منيعاً، حِجارتُهُ سوءُ الظَّنِّ أحياناً ، وتخذيلُ النفسِ أحياناً ، والشَّكُّ في النتائجِ والخوفِ من الإخفاقِ أحايينَ أُخَرَ ..وقد تكونُ تلكَ المعاذيرِ سبباً حقيقياً لدنوِّ الهمةِ كقلةِ ذكاءٍ أو كبرِ أو قلةِ التوفيقِ أو نحوِها إلا أنهُ لا يليقُ بالعاقلِ أن يستسلِمَ لها أو أن يسترسِلَ معها ، فمَهما يكن من شيءٍ فإنَّ الفرصةَ متاحةُ،وإن البابَ لمفتوحٌ على مصراعيهِ لمنْ أرادَ المعالي وسعى لها سعيَها، فالإنسانُ بتوفيقِ اللهِ ثم بعزمِهِ ، وهمتِهِ وتربيتِهِ لنفسِهِ قادرٌ على التغلبِ على كثرِ من العقباتِ والصعابِ.

فهذا ابنُ عقيلٍ الحنبليُّ رحمهُ اللهُ يقول: ( وإني لأجدُ من حِرصي على العلمِ وأنا في عُشرِ الثَّمانينَ أشدَّ مما كنتُ أجدُّهُ وأنا ابنُ عشرينَ سنةً )

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..

الخطبة الثانية

أيها المسلمونَ:

إنَّ اللهَ Y وضعَ أمةَ محمدٍ r موضعَ القيادةِ للبشريةِ حثاً لها على علوِّ الهمةِ فهي الأمةُ الوسطُ ، وهي الشاهِدةُ على جميعِ الأممِ ، وتلكَ مسؤوليةٌ عُظمى ، وأمانةٌ كُبرى ، تتطلبُ جداً ، واخلاصاً وعزماً ومضاءً ..بل إن اللهَ Y توعدَ هذه الأمةَ أن يستبدِل غيرَها إن هي تولتْ عن القيادةِ ، وأخلتْ بالأمانةِ قال تعالى: (( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ).

وفي ذلكَ غرسٌ لخلقِ الهمةِ في نُفُوسِ المسلمينَ ،وحفزٌ لهمْ كي يتحلَّوا بخصالِ الهمةِ العاليةِ من اختراقِ للصعابِ ، وتحملٍ للمشاقِّ واستهانةٍ بما يعترِضُهم من آلامٍ ومتاعبَ ..ولقدْ كانتْ حياةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مليئةً بألوانٍ من تربيةِ المسلمينَ على علو الهمةِ .

ولقد كانَ r مثالاً يحتذى ، ونهجاً يُقتفى في كرمِ نفسِهِ ، وشرفِ همتِه ، فهو أعلى البشريةِ همةً بكلِّ ما تحملُهُ هذه الكلمةُ من معنىً .

لهُ هممٌ لا مُنتهى لِكبارِها وهِمَّتُهُ الصُّغرى أجلُّ من الدهرِ

ثُمَّ إن أصحابَهُ الكرامَ ، الذينَ وَرِثُوا عنهُ العلمَ والعمل ، كانَ لهمُ القدحُ المُعلَّى ، والنصيبُ الأوفى من هذا الخلقِ الأسمى .

فإن أتيتَ إلى عبادتهِم وجدتهم رُهبانَ الليلِ ، الذين أضناهُمُ السهرُ ، وأضنتهمُ العبادةُ ،

وإن أتيتَ للجهادِ وجدتهم الأسودَ الخادرةَ ، التي إذا غضبتْ لم يقمْ لغضبتِها شيءٌ

وإن أتيتَ للحكمةِ وجدتْ ينابيعها تتفجرُ من على ألسنتِهمْ .

وإن أتيتَ للعلمِ وجدتهمْ أعمقَ الناسِ فهماً ،وأصفاهمْ قريحةً ، وأقلُّهم تكلفاً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت