فهرس الكتاب

الصفحة 8492 من 9994

وما زال الناصح يقرعُ أسماعهما بالحديث ويضربُ لهم الأمثال حتى التفتَ أحدُهما إلى صاحبه قائلاً: ما رأيك في إلغاء السفر ؟ فتردد الآخر ثم وافقه على إلغاء السفر . أما الناصحُ لهما فقد تشجع رغم أن وقتَ سفرِه قريب فما كان منه إلا أن يذهب بهما إلى صديق له صالح وأوصاه فيهما خيراً ، فاستقبلهما صاحبُه وأكرم ضيافتَهما ، ثم عرض عليهما أن يذهبوا سوياً للطائف للمتعة والأنس جميعاً فوافقها ثم قال لهما وما رأيُكما لو أخذنا عمرةً في طريق ذهابنا ، فوافقا ، وكان الوقتُ ليلاً قال أذا فاستريحا حتى إذا كان الصباحُ تحركنا .. فتركهما الضيف في المجلس وذهب إلى غرفة نومه ، ولكن الشابين استطالا الليل وربما عاودهما الشيطانُ بنزعة فخرجا من البيت وقرعا الجرس في ساعةٍ متأخرة من الليل ليستأذنا مُضيفهما في الانصراف ،وحين استيقظ وسمع كلامَهما ، قال ما رأيكم أن نبدأ الرحلة الآن فوافقا ، فأحرم الثلاثة كلُّهم ولبوا بالعمرة مخلصين لله ، وكانت آخرُ كلماتهم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك - ويا لها من كلمات لو تأملها المحرمون - وكان المنيةُ تنتظرُهم وهم محرمون على بضع كيلوات وقع الحادثُ المؤلم وتوفي الثلاثةُ قبل وصولهم إلى مكة .. وحملوا إلى المستشفى ثم إلى المقبرة وأكفانهم ثيابُ الإحرام ، وآخرُ عهدِهم بالدنيا الذكرُ والطاعةُ ، وفرق بين من يبعث يوم القيامة مُلبياً ، ومن يموت في بلاد الخنا والفجور مُجرماً فاسقاً ، وبعد حين اتصل صاحبُهما الأول على صاحبه ليسأل عن حال الشابين ..فأجهش محدثُه بالبكاء وهو يقص عليه نهايةَ الثلاثة ، فما تمالك نفسه عن البكاء ، لكن حمد الله إن كان سبباً في هدايتهما وحسن خاتمتها ؟ .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

فإن من جملةِ ما ابتلي به المسلمون في عصورِهم المتأخرة ,أنْ انقلبتْ مجموعةٌ من المفاهيم , وتأرجحتْ كثيرٌ من الموازين في حياتهم ,وخاضتْ طائفةٌ من النكرات في شرحِ قضايا لا يفقهونها , وتقرير حقائقَ لا يفهمونها ,ومن هنا كان لزاماً محاولةُ بثِ الوعي في الأمةِ من جديد, وتصحيحِ المفاهيم الخاطئة ,وتقويمِ المعاييرِ المنكوسة , وكان لزاماً إعادةُ الأمور إلى نصابهِا , ووضعُ النقاطِ على الحروفِ , بكل صراحةٍ ووضوح .

فمن المفاهيم التي يجبُ أن تصحح , مفهومُ الحكمة: ذلك المفهومُ العظيم الذي أصبح أضحوكةً لدى البعض, يدندنون حوله ليل نهار , ويضعونَ منه عقبة كأُود ضد كلِّ محاولةٍ للإصلاحِ, أوالتغيير ,واتُخِذ شماعةً لدى آخرين, يعلقونَ عليها عجزَهم وخورَهم, وأعجبُ من هذا وذاك أن أصبحَ الكثيرون لا يكادونَ يسمونَ بالحكمة, إلا من بلغَ الستينَ أو السبعينَ من عمره, ولو كان جاهلا مغفلا, ولو أنصف أولئك, لوجدوا أن الحكمةَ في مفهومِها الشرعي الصحيح , هي وضعُ الشيءِ في موضعهِ, فاللينُ في موضعهِ, والحزمُ في موضعه ,والكلامُ في موضعهِ, والصمتُ في موضعهِ, والثناءُ في موضعه, والذمُ في موضعهِ, ولو تأملنا سيرةَ سيدِ البشرية, ورسولهِا الحكيم r ,وسيرةَ سلفنِا الصالح لعلمنَا مقدارَ الجناية التي يجنيها البعض على ذلك المعنى الكبير,فالحكمة هي التي جعلتُه r يلجأُ إلى الدعوةِ السرية, طيلةَ ثلاثِ سنينَ في مكة, إبقاءً على مبدأِ الكتمان الضروري جداً لمصلحةِ الدعوةِ الناشئة, وحمايةً لها من جبابرةِ قريشٍ وأمثالهِم , المتربصينَ بكلِّ دعوةٍ مخلصة , ثم لما أعزَّ اللهُ الدين بإسلامِ حمزةَ, وعمر رضي الله عنهما, وقويتْ شوكةُ المسلمين , كانت الحكمةُ بعد ذلك هي إعلانَ الدعوة , وإنذار البشرية عاقبةَ يوم تتقلب فيه القلوبُ والأبصار , ولم يكنْ من التهورِ في شيءٍ ,أن يصعدَ الرسولُ r فوقَ الصفا بكل شجاعةٍ, وإقدام, ينادي القبائلَ قبيلةً قبيلة ,إني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد , ولقد كان الرفق واللين هو عينَ الحكمة في تعاملهِ عليه الصلاة والسلام مع أعرابيٍ جهول , قام في طائفةِ المسجدِ يبول غير مراعٍ لحرمتها , أو مقدراً لقداستها , فيدعوه r ويخاطبُه بكلِ عطفٍ وإشفاق , إن هذه المساجد لا تصلحُ لشيءٍ من هذا البولِ والقذر , إنما هي لذكرِ الله, والصلاةِ, وقراءةِ القرآن , فيأخذُ هذا القولُ الحنون بمجامعِ قلبِ ذلك الأعرابي المسكين ,الذي لم يتمالكْ نفسَه حتى رفعَ يديه إلى السماءِ, اللهم ارحمني ومحمداً ,ولا ترحمْ معنا أحداً , ثم تأمل رحمك الله ، كيف تكونُ الشدةُ والحزم هي عينَ الحكمة , في موقفهِ r من أسامةَ بنَ زيد حين اجترأ في الشفاعة لامرأةٍ مخزومية سرقتْ يومَ الفتح, فيتلونُ وجهُه r , وينتفضُ انتفاضَة الأسد , ويقومُ في الناسِ خطيباً , (( أيها الناس ، إنما أهلكَ الذين من قبلِكم , أنهم إذا سرق فيهم الشريفُ تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحد ، وأيمُ الله ! لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَّها ) ) ( [1] ) .

هذه مواقفهُ r ، فلماذا ينظرونَ إليها بعينٍ واحدة ؟! ألا إنها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور , وأما أصحابهُ الكرام فقد كانوا على خطى نبيِهم , آيةً في الحكمة, والرأيِ السديد, هذا أبو بكر رضي الله عنه الذي عُرفَ برقةِ قلبه, ورهافةِ شعوره, وكثرةِ بكائِه من خشيةِ الله, يقفُ موقفَه الصلب يومَ الردة , ويعزمُ على حربِ الناكثين على أعقابِهم , المرتدينَ على أدبارهم ، ويأخذُ بلحية صاحبه عمر , يصرخُ بهِ قائلاً , يا ابنَ الخطاب أجباراً في الجاهلية , خورا في الإسلام , والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله , لقاتلتهم عليه !!

هكذا تكونُ الحكمةُ , وهكذا تواجهُ الفتن , وهكذا يكونُ الرجال .

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جريرُ المجامع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت