فهرس الكتاب

الصفحة 8430 من 9994

أما النساء فيرين فيك فرصةً للهروب إلى الأسواق والتجول فيها إلى قرب السحر حيث يوءد الحياء ، وتقتل المروءة والشهامة ، وحيث ينصب الشيطان رايته ، والشباب قد تهيؤا لك بتجهيز الاستراحات وتهيئة الملاعب 0

هؤلاء هم الناس الذين يستقبلونك فعذراً أيها الشهر المبارك 0

يا ضيفنا يا شهر الله المعظم: حينما تحل علينا يفد إلى المساجد أناس تعرف منهم وتنكر ما هم بجنٍ ولا ملائكة ، كل ما نعرفه عنهم أنهم مسلمون ، ويسمعون نداء الله يجلجل في بيوتهم طوال العام لكنهم لا يعرفون طريقاً إلى بيت الله إلا حينما تحل علينا ، وحتى حينما تحل علينا فهم يكثرون عند المغرب والفجر ، وينامون عن الصلاة في الظهر والعصر ، فبئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان 0

يا شهرنا المعظم: هذه بعض حالنا ، وهذا خبر ما عندنا ، وهذا هو عذرنا حينما استقبلناك بالفتور وضعف العزيمة ، فيا ترى ما خبر ما عندكم ؟ 0

قال الضيف العزيز: أما خبر ما عندنا فسوف أنبئك به بعد أن تستريح وتُريح قليلاً ، وبعد أن تستغفروا ربكم كثيراً ، فأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الودود .

الخطبة الثانية

أما بعد:

فبعد أن قال وافد المسلمين قوله ووصف حالهم وحاله أجاب الزائر الكريم شهرُ رمضان المعظم بلسان الحال فقال: قد استمعت يا وافد المسلمين إلى مقالك وتألمت لحالك ، وآلمني أن تكونوا آيسين قنطين ، ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون .

لِمَ اليأس ووعد الله لن يخلف ، وكلمته لا تتبدل ، وسنته في الأمم لا تتغير (( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (الروم:47) .

إن أوذيتم في دينكم وعقيدتكم فعسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون 0

وإن تسلط المنافقون فأظهروا كيدهم ومكرهم وتبين مسارعتُهم خلف العدو فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين .

ثم إنه لا تصيب الأمة مصيبة إلا بما كسبت أيديهم ، وكيد المنافقين لا يواجه بالتشاكي ولا بالتباكي ، وإنما الحل بأيديكم أنتم أيها المسلمون .

إن كيد المنافقين يُواجه باستنكاره، والرفع إلى من بيده أمر الأمة فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .

كيد المنافقين يُواجه بزرع بذور الإيمان في الأسرة ، وتربية النساء والناشئة على رفض كل ما يخدش بالحياء أو يجرح الكرامة أو يخالف أمراً شرعياً ، وتربيتهم على الاعتزاز بالدين والحشمة والحياء .

كيد المنافقين يُواجه بتكثيف الدعوة والإصلاح في الناس ، وبث الخير، وإيصال كلمة الحق إلى كل بيتٍ وكل فردٍ في المجتمع 0

أما أن ينشغل المصلحون فيما بينهم بنقاشات وردود ، وانتصار للنفس فذاك مما يفتح الثغرات للمنافقين ، ويُضعف أثر الصالحين ، وما نجح منافق إلا بقد ما قصر مصلح .

أما ما ذكرت من كيد الأعداء وحربهم على المسلمين وقلبهم للحقائق وتلاعبهم بالمصطلحات فذاك أمرٌ قد علمناه في كتاب ربنا وقد نبأكم الله من أخبارهم (( وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ) ) (آل عمران:119) .

أما ما تشكوه من حال فئة من الناس لا يرون فيّ إلا فرصة للمآكل والمشارب والملاهي والملاعب فتلكم حال أهل الهمم الضعيفة الذين لا يرون في الحياة إلا أنها لهوٌ ولعبٌ وزينة وتفاخر ، ونسوا أنه في الآخرة عذابٌ شديدٌ ومغفرةٌ من الله ورضوان .

لكنني أذكرك أنه في الأمة عباداً فطناً طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا ، جربوا الدنيا فلما عرفوا أنها ليست لحيٍ سكناً ، جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا.

فكما أن في الناس من يريد الدنيا فمنهم من يريد الآخرة ، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقهم الله ينفقون ، فهؤلاء وأولئك سيلقى كل منهم ما عمل ، فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره 0

يا وافد المسلمين: إن ما ذكرته بأنهم لا يعرفون بيت الله إلا في رمضان وكأنهم يستكثرون على الله زيارة بيته والنيل من فضله ، هؤلاء يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون .

بَلٍّغْ هؤلاء أن الله غنيٌ عن عبادتهم وأن دين الله وأحكامه لا تقبل التلاعب والمخادعة ، وأن الأمر بالعبادة لا يحد بزمانٍ أو مكانٍ (( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) ) (الحجر:99) .

اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها.

قل لأولئك: إن يتوبوا يَكُ خيراً لهم ، وإن لم يستجيبوا فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله .

يا وافد المسلمين: اسمع مني وبلغ من وراءك أني شهرٌ شرفه الله وعظمه ، فيّ تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وأني ميدان للتنافس والمسارعة إلى الخيرات، فتزودوا مني فإن إذا مضيت لا أعود.

يا وافد المسلمين: بلغ من وراءك أني أحل عليكم وأنتم تنعمون بأمنٍ في الوطن ، وصحةٍ في البدن ، ورغدٍ في العيش ، وسعة في الرزق ، وأنني أفد على آخرين وهم يقضون أيامي في حالة لا يعلمها إلا الله جل جلاله ، خوف وجوع ومسغبة وبرد قارس ، لا مأوى ولا سكن ، ولا أمنٍ في الوطن ، يقضون أيامي تحت أزيز الطائرات المهاجمة ، وزئير الدبابات ، وأصوات الطلقات . قد حيل بين الأب وأبنائه والزوجة وزوجها.

أقدم على قوم على الأسِرَةٍ البيضاء يتمنون أن يصوموا مع الصائمين ويقوموا مع القائمين .

بلغ من وراءك أنكم قد بلغتموني وأدركتموني بينما اخترم الموت أناساً كانوا مثلكم لهم من الآمال ما لكمن ، وعندهم من القوة والغنى ما عندكم ، لكنهم اليوم في بطون الألحاد صرعى يتمنون لله ركعة أو سجدة أو صيام يوم ، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون .

يا وافد المسلمين: بلغ من وراءك أن الجنة حفت بالمكاره ، وأن سلعة الله الجنة غالية لا تنال بالتشهي ولا بالتمني ، وأن رحمة الله التي يعلق عليها البَطَّالُوْنَ آمالهم دون عمل لا يستحقها إلا أهلها (( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) ) (الاعراف:156) .

ومغفرة الله لا ينالها إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى 0

يا وافد المسلمين: بلغ من وراءك أني شهر المعارك الحاسمة والانتصارات الرائعة وأن من نصر رسوله على المشركين في بدر سينصرهم على الصليبيين اليوم ، وأنه من فتح مكة لرسوله سيفتح على المسلمين فتحاً مبيناً ، وأن من أذل التتار في عين جالوت سيذل أحزاب الكفر وتحالف النفاق (( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) ) (المجادلة:21) .

فلٍم اليأس والقنوط ، إنكم قومٌ تستعجلون .

يا وافد المسلمين: أنا شهر قبول الدعوات وإغاثة اللهفات وكشف الكربات فبلغ من وراءك أن للصائم دعوة لا ترد وله عند السحر والفطر دعوة مستجابة فادعوا ربكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحب المعتدين

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا , ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يُهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ , ومنْ يضلل فلا هاديَ له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت