فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومنها الاهتمام والعناية بتربية الابن على معالي الأمور ومحاسن الأخلاق منذ نعومة أظفاره، وعدم تجاهله واحتقاره، فهذا أسامة بن زيد يقود جيش المسلمين في حروب الردة وفيهم أبو بكر وعمر وعمره ثماني عشرة سنة، ويقول الشافعي رحمه الله:"كنت يتيمًا في حجر أمي فدفعتني إلى الكتاب"، وهذا سفيان الثوري تقول له أمه:"يابني، اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي"، والأوزاعي نشأ يتيمًا في حجر أمه، وتنقلت به من بلد إلى بلد، حتى استفتي وله ثلاث عشرة سنة.
فما بال بعض شبابنا اليوم، قد صرفوا عن المعالي، وغيبوا عن الفضائل، وأبعدوا عن كريم الشمائل، ورضوا بسبل الرذائل، إذا سألت أحدهم عن مناه، تنمى أن يكون مفحطًا موهوبًا أو راقصًا معروفًا أو سائحًا في ديار الكفر مفتونًا أو متسكعًا في الأسواق معاكسًا أو مغنيًا يطرب الجماهير أو لاعبًا يهز المدرجات، وإذا ارتفعت همته فإلى جمع الطوابع أو ألعاب الحاسب الآلي.
أين هم من قول سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه لرسول الله: فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غدًا، إنا لصُبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر على بركة الله.
هكذا ـ يا شباب الإسلام ـ فليترب أبناء الأمة، فلسنا اليوم في وقت اللعب، ولسنا في وقت اللهو والطرب، فالأمة تتلقى الطعنات تلو الفاجعات، الأعداء يتربصون بها، والمنافقون يكيدون بها، أما ترون غدرهم في فلسطين؟! أما تشاهدون مكرهم في الشيشان؟! أما تسمعون جرائمهم في كشمير؟!
فالعودة العودة ـ يا مسلمون ـ إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، تسعدوا بذلك وتسودوا.
محمد بن سليمان المهوس
الدمام
جامع الحمادي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-مظاهر الفتور والملل بين المسلمين وخصوصًا المستقيمين منهم. 2- أحب العمل إلى الله سبحانه أدومه. 3- الصبر والمصابرة عند سلفنا الصالح. 4- أمور تعين على علو الهمة ومحاربة الملل. 5- أهمية الوقت.
الخطبة الأولى
أيها الناس، مشكلة عظيمة تواجه المسلمين جماعاتٍ وأفرادًا، وخصوصًا في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن والمغريات، ألا وهي مشكلة الفتور والملل وقصور الهمة، فالفتور وقصور الهمة والملل مسلك دنيء ومركب وطيء وخلق ساقط وعمل مرذول، لا يليق بأهل الفضل، ولا ينبغي من أهل النبل والعقل.
الفتور وقصور الهمة شر عظيم وباب من أبواب انقطاع العمل، ومشكلة المشاكل التي تصاب بها أمة من الأمم عندما يكون أفرادها هِمَمُهم ضعيفة وعزائمُهم واهنة وآمالُهم قاصرة.
عباد الله، إذا تأملنا حالَ الكثير من المسلمين اليوم وخصوصًا ممن عُرفوا بالاستقامة والصلاح نجدُ أن هِمَمَهم قد قصرت وأعمالَهم قلّت، بل ربما تركوا أعمالاً صالحةً كانوا يعملونها، وما ذك إلا بسبب الملل والفتور وقصور الهمة، فمن ذلك ـ عباد الله ـ الكسل في العبادة وخصوصًا الصلاة، الكسل في الدعوة إلى الله، التهاون في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضَعف الغَيرة على الحق، الكسل في طلب العلم.
وفي المقابل نجد أعمالا لا تليق بالمسلم، فضلاً عن أهل الصلاح والاستقامة قد فُعلت من قبل بعضهم.
فنجد ـ عباد الله ـ من يتخلف عن تكبيرة الإحرام وربما عن صلاة الفجر، ونجد من قلّ حياؤُه وكثر كذبُه وزاد انشغاله بسفاسف الأمور، وكثر إقبالُه على الدنيا، وحمل من هذا الدين مظهرًا طيبًا ومخبرًا سيئًا، بل ربما نجد من أقبل على اللهو المحرم عن طريق التلفاز أو أطباقِ الشر الفضائية.
عباد الله، جاء في صحيح ابن حبان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عمل رسول الله دِيمَة، وفي حديث آخر: كان أحب العمل إلى رسول الله الذي يدوم عليه صاحبه، وكان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. رواه مسلم. وكان يقول لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (( يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل ) )متفق عليه.
وإذا تأملنا حال أسلافنِا نجد أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بالصبر والمصابرة وعلو الهمة، فتوحاتٌ ورحلات دعوية وسهر وتحقيق في المسائل، فكانوا من خير المجتمعات وأزكاها، تمثلوا أخلاقَ الإسلام وتعاليمه وآدابَه في جميع شؤونهم.
كان العمل للإسلام يخالط شغافَ قلوبِهم، يترجم ذلك أقوالُهم وأفعالهم، يؤْثر الواحدُ منهم أخاه على نفسه، يطوي أحدُهم جائعًا حتى يشبع أخوه، يشتركون في الآمال والآلام، ويقبلون على العبادة إقبالَ الظمآن على الماء البارد حتى سادوا الأرض.
ركب عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما كان أميرًا على مصر بغلة قد تغيّر حالها، فقال له أحدهم: أتركب هذه البغلة وأنت من أقدر الناس على امتطاء أكرم فرس بمصر؟! فقال: لا ملَل عندي لدابتي ما حملت رحلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري، فإن الملل من كواذبَ الأخلاق.
عباد الله، ومن الأمور التي تعين ـ بعد الله ـ على علو الهمة والإقبال على الله بفعل الطاعة وترك الفتور والملل:
أولا: كثرة ُالدعاء والإلحاحُ على الله بالثبات على الهداية والاستقامة، وطلب الإعانة من الله على ذكره وشكره وحسن عبادته، ولهذا كان من دعاء عباد الله الصالحين أنهم يقولون: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74] ، وإمامة المتقين من أعلى مراتب علو الهمة.
ثانيا: قراءةُ القرآن بتدبر وتعقل؛ فالقرآن يهدي للتي هي أقوم، وعلو الهمة من جملة ذلك، والقرآن هو الذي ربى الأمة َوأدبها، وزكى منها النفوس وصفى القرائح، وأعلى الهمم وغرس الإيمان في الأفئدة.
ثالثا: قِصَرُ الأمل وتذكر الآخرة، وهذا من أعظم الموقظات للهمة، ومن أكبر البواعث على الإقبال على الله؛ وذلك أن المرء إذا تذكر قِصَر الدنيا وسرعة زوالها أدرك أنها مزرعة الآخرة وفرصة لكسب الأعمال الصالحة، وتذكر ما في الجنة من النعيم المقيم وما في النار من العذاب الأليم، وزهد في متع الدنيا وأقصر عن الاسترسال في الشهوات، وانبعثت همته للأعمال الصالحة. قال ابن الجوزي رحمه الله:"من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر".
رابعًا: إدامة ُالنظر في السيرة النبوية؛ فحياة النبي كلها مليئة بالأحداث العظام التي تبعث الهمة وتوقظ العزيمة، حياة النبي مليئة بالجهاد والصبر والمصابرة وصدق العزيمة وعلو الهمة. ولا عجب في ذلك ـ عباد الله ـ فهو سيد البشر وخيرة الله من خلقه وقدوة الناس أجمعين.
خامسًا: مصاحبةُ الأخيار وأهلِ الهمم العالية؛ فهذا الأمر من أعظم ما يبعث الهمة ويربي الأخلاق الرفيعة في النفس، وذلك لأن الإنسان مولع بمحاكاة من حوله، شديدُ التأثر بمن يصاحبه.
سادسًا: التفاؤل؛ فإن ذلك مما يبعث الهمة، ويدعو إلى محاربة الفتور والملل، وإلى الإقبال على الجد والعمل. فإذا عمل المرء ما في وسعه واستنفد جَهده وطاقته فليثق بأن ربه لن يخذله ولن يضيع عمله، وليحذر من اليأس والقنوط والتشاؤم فإنها من أشد المثبطات وأكبر المعوقات.
اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا وعملاً صالحًا وتوبة نصوحًا قبل الممات.
الخطبة الثانية
أيها الناس، الوقت هو رأس مال الإنسان، وساعاتُ العمر هي أنفس ما عني بحفظه الإنسان، ليس يطغى أحدهما على الآخر.