لا ينفك شهر الله المحرم، وعاشوراء على الأخص، عن قصة موسى عليه السلام ـ وليس في القرآن أعظم وأطول منها ـ وليس في أنبياء بني إسرائيل أعظم من موسى ولا أكثر أتباعاً منه، وله من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه، والغيرة العظيمة ما ليس لغيره، وزمانه الذي عاش فيه من أشد الأزمان، وفرعون المعاصر من أشد الطغاة.
وهنا لا بد من وقفة عند بعض الفوائد المستنبطة نصاً، أو ظاهراً، أو تعميماً، أو تعليلاً من قصة موسى عليه الصلاة والسلام.
وهذه هي الوقفة الخامسة:
فقد استخرج الشيخ السعدي يرحمه الله في كتابه (تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن) (وهو خلاصة تفسيره المشهور) ما يقرب من أربعين فائدة، أسوق لكم شيئاً منها، قال الشيخ السعدي يرحمه الله:
ومن هذه الفوائد:
ـ أن آيات الله وعبره في الأمم السابقة، إنما يستفيد منها ويستنير بها المؤمنون، والله يسوق القصص لأجلهم كما قال تعالى في هذه القصة: (( نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ) ( [21] ) .
ـ ومنها أن الأمة المستضعفة ولو بلغت في الضعف ما بلغت لا ينبغي أن يستولي عليها الكسل عن السعي في حقوقها، ولا اليأس من الارتقاء إلى أعلى الأمور، خصوصاً إذا كانوا مظلومين كما استنقذ الله بني إسرائيل على ضعفها واستعبادها لفرعون وملئه فيهم، ومكنهم في الأرض وملكهم بلادهم.
ـ ومنها إن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تطالب بحقها، لا يقوم لها أمر دينها، كما لا يقوم لها أمر دنياها.
ـ ومنها أن قتل الكافر الذي له عهدٌ بعقدٍ أو عرف لا يجوز، فإن موسى ندم على قتله القبطي واستغفر الله منه وتاب إليه.
ـ ومنها أن العبد وإن عرف أن القضاء والقدر حق، وأن قدر الله نافذٌ لا بد منه، فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي تقع، فإن الأسباب والسعي فيها من قدر الله، فإن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك لما التقطه آل فرعون سعت بالأسباب، وأرسلت أخته لتقص، وتعمل لأسباب المناسبة كتلك الحال.
ـ ومنها جواز خروج المرأة في حوائجها وتكميلها للرجل إذا انتفى المحذور، كما صنعت أخت موسى، وابنتا صاحب مدين.
ـ ومنها أن إخبار الغير بما قيل فيه وعنه على وجه التحذير له من شر يقع به لا يكون نميمة، بل يكون واجباً، كما ساق الله خبر ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى محذراً لموسى على وجه الثناء عليه.
ـ ومنها أن الله كما يحب من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته ونعمه العامة والخاصة، فإنه يحب منه أن يتوسل إليه بضعفه وعجزه وفقره وعدم قدرته على تحصيل مصالحه ودفع الأضرار عن نفسه، كما قال موسى عليه السلام (( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) ) ( [22] ) .
ـ ومنها أن من أعظم العقوبات على العبد أن يكون إماماً في الشر، وداعياً إليه، كما أن من أعظم نعم الله على العبد أن يجعله إماماً في الخير هادياً مهدياً، قال تعالى في فرعون ومثله: (( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ ) ) ( [23] ) وقال عن بني إسرائيل: (( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) ) ( [24] ) .
ـ ومنها أن قوله جل ذكره (( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) ) ( [25] ) أي أن ذكر العبد لربه هو الذي خلق له العبد، وبه صلاحه وفلاحه، وإن المقصود من إقامة الصلاة إقامة هذا المقصود الأعظم، ولولا الصلاة التي تتكرر على المؤمنين في اليوم والليلة لتذكرهم بالله ويتعاهدون فيها قراءة القرآن، والثناء على الله ودعاءه، والخضوع له الذي هو روح الذكر، لولا هذه النعمة لكانوا من الغافلين.
ـ ومنها أن قوله تعالى: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) ) ( [26] ) استوعب الله بها الأسباب التي تدرك بها مغفرة الله: وهي التوبة، والإيمان، والعمل الصالح والاستمرار على الإيمان والهداية والازدياد منها.
إلى غير ذلك من فوائد ذكرها الشيخ في كتابه الآنف ص130ـ 136.
وبعد إخوة الإيمان..
فشهر الله المحرم، وعاشوراء مناسبة للذكر والشكر، وسبب من أسباب التأمل في قصص القرآن، وزيادة الإيمان وأنى هذا من ممارسات خاطئة تلطم بها الخدود، وتخدش بها الوجوه ويجتمع فيها للبكاء والعويل، وربما سالت منها الدماء، واختلط فيها الرجال بالنساء، وظهر فيها المنكر، وكل ذلك ما أنزل الله به من سلطان بل هو من تلاعب الشيطان، وهل يعقل إقامة ذكريات للموتى على حساب تعاسة وإلحاق الضرر بالأحياء. اللهم اهد ضالنا، وثبت هدانا.
( [1] ) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق (5/1/1419هـ) .
( [2] ) البقرة: 281.
( [3] ) الحشر: 18.
( [4] ) الصحيح مع الفتح 4/244 ح2004.
( [5] ) انظر: الفتح (4/247)
( [6] ) الفتح 4/247، 248.
( [7] ) آل عمران 50 ، وانظر الفتح 4/248.
( [8] ) الصحيح مع الفتح 4/244 ح2004.
( [9] ) الفتح 4/248.
( [10] ) الفتح 4/246.
( [11] ) مسلم 1163، جامع الأصول 9/273.
( [12] ) الصحيح مع الفتح 4/213 ح 1969، 1970.
( [13] ) النووي شرح مسلم 8/55، الفتح 4/215.
( [14] ) رواه الجماعة إلا البخاري (إرواء الغليل 4/111) .
( [15] ) انظر: الفتح 4/246، ابن القيم: زاد المعاد.
( [16] ) الفتح 4/213 ح 1970.
( [17] ) الفتح 4/215.
( [18] ) محمد: 7.
( [19] ) سورة الروم: آية: 47.
( [20] ) العنكبوت: 2ـ3.
( [21] ) القصص: 3.
( [22] ) القصص: 24.
( [23] ) القصص: 41.
( [24] ) الأنبياء 73.
( [25] ) طه: 14.
( [26] ) طه: 82.
الخطبة الأولى
الحمد لله جعل العزة والرفعة لمن أطاعه وتولاه وكتب النصر والتمكين لمن تأسّ برسوله صلى الله عليه وسلم ووالاه وجعل الصغار والمهانة لمن تولى عنه وعصاه وكتب الذلة على من تنكب هدى رسوله صلى الله عليه وسلم وجافاه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم ومن حذا حذوهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين .
عباد الله:
أوصيكم ونفسي بخشية الله وتقواه فهي خير ما أسررتم وأجمل ما أعلنتهم وهي ذخركم في دنياكم وزادكم إلى أخراكم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } .
أيها المؤمنون: