فهرس الكتاب

الصفحة 8426 من 9994

أيها المسلمون: اعلم إن هناك من يقول ، أنَّ تعقيبَ ابنِ كثير سقطَ من بعضِ النسخِ المخطوطة، وقد سبقتْ الإشارةُ إلى أنَّ الاعتذارَ عن ابنِ كثيرٍ وغيرِه من أئمتِنا شيءٌ, والتنبيهَ إلى أخطائِهم شيءٌ آخر، ثم لا ينبغي أن تطغى عواطُفنا ومحبتُنا لأئمتِنا على صيانةِ عقائدنا، وتصويبِ مفاهيمنا .

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى وخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً.

عباد الله: ما وقع بلاٌ ووباءٌ ولا قحط وغلاء ، ولا حصل نقص وضراْ إلا بسبب الذنوب والمعاصي . يقول الله تعالى: (( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ* وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) ) (الشورى:30-31) . ويقول تعالى: (( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) ) (آلل عمران:165) .

ويقول سبحانه: (( فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) (آل عمران:11) ويقول تعالى (( فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ) ) (العنكبوت:40) .

تطرح هذه القضية ، والسنةُ الإلهية والعالم اليوم يموج في بحار متلاطمة من حروب طاحنة وزلازلَ مهلكة وفيضاناتٍ مفرقة ، وحوادث مروعة (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ ) ) (الانفال:53-54)

إن ما يحصل في هذا العالم من حوادث ومجريات لا يقع صُدْفة ولا خبط عشواء وإنما يقع وِفْقَ سنة إلهية وقدّرٍ في غاية الإحكام والحكمة . وشؤم المعصية كبير وبلاؤها عظيم ، فبسببها تبدل إبليس بالإيمان كفراً وبالرحمة لعنةً وطَرْداً وبالقرب ناراً وبعداً ، بسببها أُغْرِقَ قومُ نوح وأرسلت الريح على عادٍ وأخذت ثمودَ الصيحة وقلبت على اللوطية قراهم وأتبعوا بحجارة من سجيل وخسف بقارون وسلّط على بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب وَعُذِّبتْ أممٌ وأقوام ، ممن أمنَ مكر الله فجاءهم بأسُهم وهم غافلون فأين المعتبرون ؟

يقول الله وقوله الحق: (( فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ* وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) ) (الحج:44-48) .

ويقول تعالى: (( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ) (النحل:45-47) .

فيا لعظم الهول إذا جاء العذاب وأهل المعاصي والذنوب قد أمنوا مكر الله ونبذوا كتاب الله وتركوا فرائض الله مع ما أعطاهم من الصحة ورغد العيش (( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ * وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ) ) (الاعراف:97-102) .

إن الناس كلما أحدثوا ذنباً أُحدث لهم عقوبةً وما ربك بظلامٍ للعبيد والجزاءُ من جنس العمل .

والملاحظ يا عباد الله أن المنكرات بازدياد والله جَلَّ وعلا يقول: (( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ) (الرعد:11) .

فأين محاسبة النفس في جميع المجالات وعلى كافة المستويات ؟ أين الغيرة على دين الله والغضب إذا انتهكت محارم الله ؟ أين إطابة المطعم والمأكل ومحاربة المكاسب الخبيثة كالربا والرشوة وغيرهما ؟ أين تعظيمُ قدر الصلاة والزكاة وأين العملُ بالقرآن والسنة وتدبُّرهما في واقع الناس ؟ ما هذه الغفلة التي استولت على القلوب ؟ فَعَظُمتْ الدنيا في نفوس الكثير وآثروها على الآخرة ونسوا الساعةَ وما فيها من أهوال وصدق فيهم قوله تعالى: (( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) ) (الانبياء:1-2) .

إن الغفلة والإعراض من أسباب التفريط الذي يؤدي بصاحبه إلى الاغترار بالحياة الدنيا من منصب أو مال أو جاه والركون إلى ذلك ونسيان الآخرة يقول تعالى: (( إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ* أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) ) (يونس:7-8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت