لقد كان رسول الله يقول لبلال رضي الله عنه: (( أرحنا بالصلاة يا بلال ) )؛ لما يجده فيها من اللذة والسعادة القلبية، وإطالته لصلاة الليل دليل على ما يجده في الصلاة من الأنس والسرور بمناجاة ربه، وها هو ذا معاذ بن جبل يبكي عند موته ويقول: (إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر) ، ويقول أحد السلف: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله ومعرفته وذكره، وقال آخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب.
فكيف نحصل على لذة العبادة إخوة الإيمان؟ إنها أسباب نذكرها باختصار:
أولاً: مجاهدة النفس على طاعة الله، ولا بد منها حتى يدرك لذة العبادة، وسيجد الإنسان صعوبة في بادئ الأمر، ولكن عليك بالمصابرة والتحمل، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] .
يقول أحد السلف: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك، وقال الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى…فما انقادت الآمال إلا لصابر
يقول ابن رجب:"واعلم أن نفسك بمنزلة دابتك، إن عرفت منك الجد جدت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك، فأخذت منك حظوظها وشهواتها، فالأمر بعد الله بيدك فاجتهد".
ثانيًا: ترك فضول الطعام والشراب والكلام والنظر، فيكفي المسلم أن يقتصر في طعامه وشرابه على ما يعينه على أداء عبادته وعمله، ولا يسرف في الأكل لقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] ، ورد في الأثر قوله: (كل واشرب والبس وتصدق في غير إسراف ولا مخيلة) ، وقال أحد السلف: راحة القلب في قلة الآثام، وراحة البطن في قلة الطعام، وراحة اللسان في قلة الكلام.
لهذا ترى الذي يثقل بطنه بالطعام يتثاقل عن الصلاة، ولا يقوم إليها إلا وكأنه يقاد إليها بالسلاسل، وإذا دخل في الصلاة فإنه ينتظر اللحظة التي يقول فيها الإمام: السلام عليكم ورحمة الله.
يقول أبو سليمان الداراني:"إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت عمي القلب". ولا يفهم ـ إخوتي ـ أن يقلل الإنسان الطعام حتى يضره ويضعفه، ولكن التوسط في الأمور كلها جميل.
أما ترك فضول الكلام، وهو الكلام المباح الذي لا ينفعك وقد يضرك إذا زاد عن الحق المعقول، وورد عنه قوله: (( لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي ) ).
فعليك ـ أخي ـ بشغل لسانك بذكره والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والكلام الطيب المبارك الذي يعود عليك بالأجر العظيم.
وفضول النظر يجب الابتعاد عنه، ومنه ما يحرم أو يكره مثل النظر للنساء والمتبرجات في التلفاز والجرائد والمجلات التي تحمل الصور الفاتنة المؤججة للشهوة المثيرة للفتنة الداعية إلى الرذيلة، فكل جارحة من الجوارح لها عبودية خاصة بها، فمتع عينيك بالنظر في ملكوت الله وفي عجيب صنعه وإتقان خلقه العظيم، وانظر إلى كتابه الحكيم الذي حرفُه بعشر حسنات، وتذكر قوله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36] .
ثالثًا: أن يدرك المسلم أن سعادته متوقفة على تحصيله لهذه اللذة، فالمال والجاه والحسب والنسب والأولاد لا تغني عن الإيمان شيئًا، ولا نسبة هناك بين نعيم الدنيا ونعيم الإيمان.
يقول الحسن البصري رحمه الله عن أهل المعاصي وأهل الترف والنعيم:"إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين فإن ذلّ المعصية لا يفارقهم، أبى الله إلاّ أن يذل من عصاه".
إنك ـ أيها الإنسان الحائر في أمرك التائه في حياتك المذبذب في إيمانك ـ لن تهنأ حياتك ولن يطيب عيشك إلا إذا وثّقت صلتك بالله عز وجل، وعُلّق قلبك به.
يقول ابن القيم رحمه الله:"في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نبرات حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه".
رابعًا: إطابة المطعم، وفي الحديث: (( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا ) ).
قد سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ورضي عنه: بم تلين القلوب؟ قال:"بأكل الحلال، ولا يبلغ المؤمن درجة الورع والتقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس". ويقول أحد السلف:"تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام".
خامسًا: البعد عن الذنوب صغيرها وكبيرها، يقول سفيان الثوري العالم الجليل والزاهد الكبير رحمه الله:"حُرِمت قيام الليل بسبب ذنب أذنبته"، ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقد أُعجب بفطنته وذكائه فقال:"إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية".
وقال: (( إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ) ).
وقال ابن المعتز:
خلّ الذنوب صغيرها…وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر…ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة…إن الجبال من الحصى
هذه ـ أخي الكريم ـ خمسة أسباب بتطبيقها بإذن الله تحصل لك لذة العبادة والأنس بالطاعة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
عباد الله، من مظاهر فاقدي لذّة العبادة ثقل الصلاة، لذا ترى بعض الناس لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وأصبحت كالحمل الثقيل على رؤوسهم، لسان حالهم يقول:"أرحنا منها يا إمام"، بدليل نقرهم الصلاة والسرعة في أدائها، وترى الواحد منهم يخرج من المسجد بمجرد انتهاء الإمام من السلام، ولو أن هذا الصنف من الناس وجد لذة العبادة وأحس بطعمها لبادر إلى الصلاة حين النداء لها، وأطال المكث في المسجد بعد الفريضة لأداء الرواتب والاشتغال بالأوراد، ولكن من تعلق قلبه بالدنيا يصعب عليه ذلك.
يقول ابن القيم رحمه الله في وصف حال المؤمن عند الصلاة:"فإذا حضر وقت الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف الأول من المسجد، فأدى فريضته كما أمر مكملاً لها بشرائطها وأركانها وسننها وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور بين يدي الله، فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه وجوارحه وسائر أحواله بآثار بادية على وجهه ولسانه وجوارحه، ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور وقلة التكالب والحرص على الدنيا وعاجلها، قد نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر، وحببت إليه لقاء الله، ونفّرته عن كل قاطع يقطعه عن الله، فهو مهموم مغموم كأنه في سجن حتى تحضر الصلاة، فإذا حضرت الصلاة قام إلى نعيمه وسروره وقرة عينه وحياة قلبه، فهو لا تطيب له الحياة إلا بالصلاة، وهذا دأبه في كل فريضة".
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
أطرقتُ حتى ملّني الإطراقُ وبكيتُ حتى أحمرتِ الأحداق
سامرتُ نجمَ الليلِ حتى غابَ عن عيني ، وهدَّ عزيمتي الإرهاق
يأتي الظلامُ وتنجلي أطرافُه عنا ، وما للنومِ فيه مذاق
سهرٌ يؤرقني ففي قلبي الأسى يغلي ، وفي أهدابي الحُراقُ
قتلٌ وتشريدٌ وهتكُ محارمٍ فينا، وكأسُ الحادثاتِ دِهاقُ
يا أمة المليار: