فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
#عيد الفطر 1421هـ: مفاهيم ينبغي أن تصحح
الألوهية
عبد الرحمن بن محمد عثمان الغامدي
جدة
القدس
ملخص الخطبة
1-العيد فرحة لأهل الإسلام. 2- العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. 3- رسول الله يعلم الصحابة أنواعاً من العبادة التي يذهل عنها الناس. 4- ضمور معنى العبادة عند بعض المسلمين. 5- آثار المفهوم الخاطئ والقاصر للعبادة. 6- دعوة لتصحيح هذا المفهوم.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى واعتصموا بالله فإنه نعم المولى.
عباد الله: نحن نفرح بهذا اليوم لأن الله جعله فسحةً لنا أهل الإسلام، فعيدنا اتباعٌ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه ربه ليخرج البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الذل لغير الله إلى العز والشرف والرفعة في التذلل والتعبد لله. خلق الله الخلق حنفاء على ملة مستقيمة، وفطرة سوية فاجتالتهم الشياطين وزينت لهم اتباع الهوى واللهث خلف الشهوات، فبعث الله الرسل مبشرين للمؤمنين بالجنات، ومنذرين للكافرين من الدركات، فصححوا المفاهيم وبينوا السبيل وأوضحوا الطريق للسالكين، فكان الناس فريقين: فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير.
ولذا - عباد الله - فإن البشرية إنما تسقط بسقوط مبادئِها، وإن المبادئ لا تنهار من قلوب الناس إلا عندما تنحرف مفاهيمها. فحينما ينحسر مثلاً مفهوم العبادة في نطاق الشعائر التعبدية وحدها فإن هذا انحراف في الفهم غريب وخاطئ وخطير.
ولذا لزاماً علينا عباد الله أن نفهم معنى العبادةِ كما فهمَها سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم من أن العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك كله من العبادة. وكذلك حب الله وحب رسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادات لله.
بهذا الفهم الواسع الشامل نفهم معنى قول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] . إن مفهوم العبادة يشمل كل نشاط في حياة الإنسان قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] .
إن العبادة الصحيحة هي التي ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عليها، رباهم عليها بسيرته العظيمة التي يرونها بين ظهرانيهم وقد تمثلت في عبوديةٍ لله عز وجل عبودية كاملة، فيتأسون بها كما قال الله: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] . ويربيهم بتوجيهاته المباشرة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة ) )، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: (( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) ) [1] وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: (( الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله ) )، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: (( أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً ) ). قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (( تعين صانعاً أو تصنع لأخرق ) )، قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: (( تكف شرك عن الناس فإنها صدقة ) ) [2] .
وعن أبي ذر أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة ) ) [3] . وفي حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ) ) [4] .