التاريخ: 27 نيسان - أبريل 2006
? الشيخ كمال خطيب - نائب رئيس الحركة الإسلامية
إننا نعرف تماما ونعلم جيدا أن أغلب - إن لم تكن كل - الأنظمة العربية لا تملك من أمرها شيئا، وأن سيادتها حتى على دولها هي سيادة منقوصة، وتحكمها قرارات السفير الأمريكي في تلك العواصم، أو أن الأوامر والفرمانات تأتيها مباشرة من واشنطن.
وإننا نعلم تماما كذلك أن زعماء تلك الأنظمة إنما هم حجارة شطرنج، تتقاذفها يد اللاعب الأمريكي كيفما يشاء، وينقلها متى يشاء، وبالتالي فإنهم الذين يؤدون الأدوار زمانا ومكانا، وفق مخططات وبرامج وغايات الكابوي الأمريكي، الذي لا يتردد بأن يلهب بكرباجه ظهورهم إن رأى منهم حالة من العناد أو التردد في تنفيذ أوامره.
وإننا نعلم كذلك أن هذه الأنظمة كانت دائما وأبدا تعتبر القضية الفلسطينية حملا ثقيلا وهمّاً أثقل على كواهلها، وكم تمنت أن تتخلص من هذا الهم الذي اسمه القضية الفلسطينية حتى تشرّع وتمهّد لها السبيل نحو اسرائيل، وإقامة العلاقات معها حتى كان الفرج لما علمت هذه الأنظمة بوجود المباحثات السرية بين الفلسطينيين وبين اسرائيل في أوسلو، وما أعقب ذلك من اتفاقيات بكل نتائجها المأساوية على الشعب الفلسطيني، سواء كان ذلك فيما يخص الحدود أو القدس أو حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، أقول أنّه الفرج وإزاحة الهم وإنزال الحمل الثقيل، والذي كان بمبادرة وقرار فلسطيني، حتى لا يكون مجال لتوجيه اللوم للعرب بأنهم هم الذين قصّروا في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدبابات الإسرائيلية ليس فقط تدوس أوراق اتفاقية أوسلو وتمزقها، بل إنها كانت تحرث بيوت مخيم جنين وتسويها بالأرض، في نفس تلك الأيام عقدت القمة العربية في بيروت، والتي انحصرت نتائجها في إطلاق مبادرة شهيرة عرفت بإسم (المبادرة العربية) ، والتي تمثلت بدعوة اسرائيل للإعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، مقابل وعد بإعتراف كل الدول العربية بإسرائيل، وحتى هذه المبادرة قامت اسرائيل بالبصق في وجوه أصحابها، لما قامت بمحاصرة الرئيس الفلسطيني، وإهانته وإذلاله وتدمير طائراته، وتدمير المقر الذي كان يقيم فيه، حتى قضى - رحمه الله - بالمرض المفاجئ ، بل ولعله بالسمّ.
واليوم وبعد إذ جرت الإنتخابات الفلسطينية مطلع هذا العام وأسفرت عن فوز حركة حماس بأكثرية مقاعد المجلس التشريعي، ولقد قادها ذلك الفوز لتشكيل الحكومة الفلسطينية، التي وقف على رأسها الأستاذ اسماعيل هنية.
هذا الخيار الديمقراطي الفلسطيني لم يعجب أمريكا، التي تزعم أنها تقود الجيوش وتعلن الحروب من أجل إرساء الديمقراطية، وطبعا فإنه كذلك لم يعجب اسرائيل، ولعل هذا يكون مفهوما، فإسرائيل وأمريكا هما العدوتان اللدودتان للشعب الفلسطيني وحقوقه، ولكن ما لم يكن مفهوما أن الحصار الذي فرضته أمريكا واسرائيل وحلفاؤها على الشعب الفلسطيني ومحاولة تجويعه وإذلاله، وأن المقاطعة التي دعت أمريكا واسرائيل لفرضها ضد الحكومة الفلسطينية الجديدة بقيادة حماس، قد تمت الإستجابة لها من قبل حكومات وأنظمة عربية، كانت وما تزال تعتبر القضية الفلسطينية هما كبيرا وحملا ثقيلا، ولعلنا قلنا قبل أسابيع بأن خوف هذه الأنظمة من فوز حماس لا يقل عن خوف اسرائيل وأمريكا، نظرا لكون فوز حماس يشكل عدوى عند الشعوب العربية، إن هي أعطيت وبحق ممارسة الخيار الإنتخابي الديمقراطي، والذي سميته يومها بإسم (انفلونزا حماس) .
إن هذه الأنظمة التي تسير اليوم في فلك اسرائيل وأمريكا، وحتى لو لم تعلن ذلك، فإنها في الحقيقة تمارس سياسة الحصار والتجويع والتضييق على الشعب الفلسطيني وعلى حكومته الشرعية، تمشيا مع القرارات والسياسة التي انتهجتها اسرائيل وأمريكا.
صحيح أنه وخلال المئة سنة الأخيرة كانت الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية مثل الخاتم في الإصبع البريطانية والإسرائيلية والأمريكية، حتى بات وكأنه من المفروغ منه والمُسلّم به أن لا تقول لا لأولئك الظلمة والمستبدين مع أنها الدول التي تملك الجيوش والأموال والأرصدة، فأن تأتي حركة تحرير مثل حركة حماس وفي ظروف الإحتلال، ورغم كل أصناف المعاناة وقلة الحيلة، وضعف الإمكانات وانعدام الموارد، وبعد إذ حظيت بثقة أبناء الشعب الفلسطيني، وإذا بها تقول لا للقرار الأمريكي، ولا للهيمنة الإسرائيلية، فإنما هو الأمر الشاذ عن القاعدة، نعم، إن القاعدة أن يسير الكل في التلم الأمريكي، وأن يلهثوا خلفها في قافلة العبيد والشاذ هو الخروج عن تلك القافلة، رفضا لها، وكفرا بها، وتمردا عليها.