فهرس الكتاب

الصفحة 8517 من 9994

فخذْ بقولٍ يكون النصُّ ينصرُه إمّا عن اللهِ وإما عن سيدِ البشر

(السابق378 )

أيها المسلمون:

إنّنا مطالبون جميعاً بالحفاظِ على وحدتِنا، وسلامةِ فكرِنا، ومعتقدِنا، والعزةِ بإسلامِنا، والترضي عن سلفِنا... ، ومع أهميةِ الشَّفافيةِ، والصراحةِ ، والحوارِ، فلابدَّ من قيودٍ تحكُم ، وضوابطَ تُنظمُ ، و إلا تحوَّلتِ المصارحةُ إلى مصارعةٍ، والشفافيةُ إلى تُهمٍ وأنانيةٍ ، والحوارُ إلى ساحةٍ للمعاركِ ، وتلويحٍ بالانتقامِ .. ، وكلُّ ذلك خسارةٌ ، وضياعٌ وهدرٌ للطاقات، وفرصةٌ لتسللِ الأعداءِ ، وإذا كان على العوامِ ألا يتأثروا بكلِ صائحٍ ، وأنْ يتحروا الحقَّ ، ويسألوا أهلَ الذكرِ - فعلى العلماءِ خاصةً- دروٌ كبيرٌ في بيانِ الحقِ وردِّ المُبطلين- وهذا الإمامُ الذهبيُّ رحمه اللهُ ينقلُ لنا تجربةً في عَصْرِهِ ( القرن الثامن ) عن فئةٍ كانت تَنتقصُ الأكابرَ مِنَ العلماءِ بلسانِ الحالِ ، والمقال ، ويقولُ عنهم: من أحمد ؟ وما ابن المديني ؟ وأي شيء أبو زرعة وأبو داود ؟ هؤلاء مُحدِّثون ولا يدرون ما الفقهُ ؟ وما أصولُهُ ؟ ولا يفقهون الرأيَ، ولا علمَ لهم بالبيانِ ، والمعاني ، والدقائق، ولا خبرةَ لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون اللهَ تعالى بالدليلِ، ولا هم منْ فقهاءِ المِلَّةِ، فاسكت بحلمٍ أو انطق بعلمْ ، فالعلمُ النافعُ هو ما جاء عن أمثالِ هؤلاء ، ولكنْ نسبتُك إلى أئمةِ الفقهِ كنسبةِ مُحدِّثي عصرِنا إلى أئمةِ الحديث، فلا نحن ولا أنت، وإنما يَعرفُ الفضلَ لأهلِ الفضلِ ذوُ الفضلِ، فمن اتقى الله راقبَ اللهَ واعترفَ بنقصِه، ومَنْ تَكلَّم بالجاهِ وبالجهلِ، أو بالشرِّ والباو فأعرضْ عنه وذرْهُ في غيِّه فعُقْباهُ إلى وبالٍ، نسألُ اللهَ العفوَ والسلامةَ. ( تذكرة الحفاظ 2 / 628 ) .

إنَّ الحمدَ للهِ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .

أما بعد:

فيا أيها الإخوة المؤمنون- اتقوا الله تعالى ، واشكرُوهُ على نِعَمِهِ الظاهرةِ ، والباطنةِ ، ومنها: نعمةُ الإيمانِ والتي حُرِمَ منها جموعٌ غفيرةٌ مِنَ البشرِ الذين (( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) ) (سورة الروم:7) .

إنَّ الرضى باللهِ ربّاً ، وبالإسلامِ ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم عليه وسلم نبياً، نعمةٌ كبيرةٌ ، هي أجلُّ النعمِ ، وأعظمُها ، بها يَعرفُ المرءُ حقَّ ربِّه - سبحانه- وحقِّ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم عليه وسلم ، وحقِّ دينِهِ، وحقوقِ إخوانه لذا قال الله تعالى: (( وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ) (103) .

عبادَ الله:

سَمِعْنَا في الجمعة الماضية ما يدلُّ على بطلانِ دينِ اليهودِ ، والنصارى، وغيرِهم اليوم ،وأنَّه بمجيء الإسلامِ ، ونزولِ القرآن نُسِخَتْ جميعُ الشرائعِ، وأنَّهُ يجبُ على جميعِ الناسِ أنْ يَدخُلوا في الإسلام، ويَتَّبِعُوا محمداً صلى الله عليه وسلم عليه وسلم فمنْ لم يفعلْ بعد بلوغِ الإسلامِ إليه، فهو منْ أهلِ النَّارِ بنَّصِ القرآن والسنة.

ومن هنا كان لزاماً علينا أنْ نَذكرَ أصلاً عظيماً ، طالما أغفلَهُ المسلمونَ، وضَيَّعُوهُ إلا مِنْ رَحِمَ اللهُ ، بلْ وهجرَ الحديثُ عنه، ألا وهو عقيدةُ الولاءِ لأهلِ الإيمانِ ، والبراءِ مِنَ الكُفْرِ وأهلِه .

أيها المسلمون:

إنّ أوثقَ عُرى الإيمانِ هو الحبُّ في الله ، والبغض في الله ، والموالاة لله، والمعاداة لله ، فبها يَتَحَقَّقُ الإيمانُ فعلاً .

إنَّ موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين، مِنْ أعظمِ أصول الإيمانِ، وإنْ تساهلَ فيه البعضُ في هذه الأزمانِ، بل إنَّه شرطٌ في الإيمانِ، كما قال تعالى: (( تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ) ).

(( وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ) ( المائدة: 80، 81 ) .

قال العلماء [1] : (فذكر سبحانه جملةً شرطيةً - وهي ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي- ذكر هذه الجملةَ بحرفِ"لو"الذي يَقتضِي معَ الشرطِ انتفاءَ المشروطِ.

فقال: (( وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ) (المائدة:81) .

فدلَّ ذلك على أنّ الإيمانَ المذكورَ ينفي اتخاذَهم أولياءَ ويضاده ، فلا يجتمعُ الإيمانُ ومحبةُ الكفارِ في قلبِ مسلمٍ .

كما دلَّت الآيةُ على أنّ من اتخذهم أولياء ، ما فعل الإيمانَ الواجبَ مِنَ الإيمانِ باللهِ والنَّبيِّ، وما أُنزِلَ إليه) ا.هـ باختصار من كتاب الإيمان للشيخ.

أيُّها المؤمنون:

الولاءُ معناه المحبةُ، والمودةُ والقربُ، والبراءُ ضدُ ذلك، وهو البغضُ والبعدُ والعدواةُ، وهما في الأصلِ مِنْ أعمالِ القلبِ، لكنْ يَظْهَرُ أثرُهما على اللسانِ والجوارحِ .

إنَّ الولاءَ لا يكونُ إلا للهِ تعالى، ولرسولِهِ e وللمؤمنين مهما تباعدت أقطارُهم، وتعددت ديارُهم واختلفت أجناسُهم.

قال سبحانه: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ) (المائدة:55) .

ويكونُ الولاءُ للمؤمنين بمحبتِهم لإيمانِهم ،ونصرتِهم ،والإشفاقِ عليهم، والنُّصْحِ لهم، والدعاءِ لهم، والسلامِ عليهم، ورحمةِ ضعيفِهم، وإطعامِ جائعِهم، وزيارةِ مريضِهم، وتشييعِ جنائزِهم ومواساتهم ،والاهتمامِ بأحوالِهم والسؤالِ عنها، وغيرِ ذلك منْ وسائلِ تحقيقِ هذا الولاءِ [2] .

فالمؤمنون يعرفون الحقَّ، ويَرْحَمُونَ الخَلْقَ، فهم أحسنُ النَّاسِ للنَّاسِ، أذلةٌ على المؤمنين، أعزةٌ على الكافرين، كالجسدِ الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهْرِ ، وهذا ما كان عليه أسلافنُا رحمهم الله ،حتى قال بعضُهم: (إنَّهُ ليَبْلُغُنِي عنِ الرجلِ مِنْ أهلِ السُنَّةِ أنَّهُ ماتَ فكأنَّما فَقَدْتُ بعضَ أعضائِيْ ) .

هذا هو الولاءُ للمؤمنين.

أما البراءةُ مِنَ أعداءِ الدين ، كاليهودِ والنصارى، والشيوعيين والصرب، والهندوس والمنافقين، والمجوس وغيرهم، فتعني: بغضهم - دينا- وعدمَ بدئِهم بالسّلام، وعدمَ التذلل لهم، أو الإعجاب بهم، والحذرَ من التشبه بهم، ووجوبَ تحقيقِ مخالفتهم شرعًا، ومجاهدتَهم بالمالِ واللسانِ ، والقلمِ والسنانِ، والهجرةَ من ديارِهم إلى دارِ الإسلامِ [هذا ما ذكرَه أئمتُنا وعلماؤُنا رحمهم الله تعالى ] .

أيها المسلمون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت