إعداد/ علي حشيش
الحلقة السادسة والستون
نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثية للقارئ الكريم حتى يقف على حقيقة هذه القصة التي اشتهرت وانتشرت في كتب السيرة وعلى ألسنة القصاص والوعاظ في الهجرة.
وإلى القارئ الكريم هذه القصة الواهية قصة «تحكيم إبليس في دار الندوة» .
أولاً: متن القصة
رُوِيَ عن ابن عباس قال: «لما عرفت قريش أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحاب من غير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارًا أصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا له في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها فيتشاورون فيها ما يصنعون من أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين خافوه، فلما اجتمعوا لذلك، في ذلك اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، اعترض لهم إبليس في هيئة رجل شيخ جليل عليه بت- يعني كساء غليظ من صوف أو وبر- فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفًا على بابها، قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجدٍ، سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش من كل قبيلة: من بني عبد شمس: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، ومن بني نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدي، وجبير بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل، ومن بني عبد الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة، ومن بني أسد بن عبد العزى: أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام، ومن بني مخزوم: أبو جهل بن هشام، ومن بني سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج، ومن بني جمح: أمية بن خلف، ومن كان معهم، وغيرهم ممن لا يعد من قريش، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيًا، قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرًا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم.
1 ـ فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره فتشاوروا عليه.
ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا.
2 ـ قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لئن فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم في بلادكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه أمرًا غير هذا.
قال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابًا فتى جلدًا نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا عليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه- يعني الدية، وهي المال الذي يُعطى لولي القتيل- فعقلناه لهم.
3 ـ قال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي، لا أرى غيره.
فتفرق القوم على هذا وهم مجمعون له». اهـ.
قلت: يتبين من متن القصة أن إبليس تولى التحكيم في دار الندوة، ولم ينازعه أحد من أشراف قريش، وقد كانوا من كل قبائلها، وكان في هيئة رجل شيخ جليل من أهل نجد عليه كساء غليظ من الصوف.
ثانيًا: التخريج
الحديث الذي جاءت به هذه القصة أخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» (ص63- 64) ، والطبري في «تفسيره» (6/251، 252 ح: 15979) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (2/466- 468) ، وابن أبي حاتم في «التفسير» (5/1686) (ح1994) ، وابن سعد في «الطبقات» (1/109) .
ثالثًا: التحقيق
القصة واهية، وأسانيدها لا تصح، تزداد بها وهنًا على وهن.
1 ـ قال ابن سعد في «الطبقات» : أخبرنا محمد بن عمر.
أ- قال: حدثني معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة.
ب- قال: وحدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين بن أبي غطفان عن ابن عباس.
جـ- قال: وحدثني قدامة ابن موسى عن عائشة بنت قدامة.
د- قال: وحدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي.
هـ- قال: وحدثني معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْشم عن سراقة بن جعشم.