فهرس الكتاب

الصفحة 8559 من 9994

مثال ذلك: برٌّ ببُرٍّ بعد شهر، أو ريال بريالين بعد شهر مثلاً، وقد يجتمع ربا الفضل مع ربا النسيئة في مثل هذه الحالة، وهي: مائة ريال بمائة وعشرة بعد شهر مثلاً.

وقد دلَّت الأحاديث الصحيحة على هذا بقول النبي r: (( لا تبيعوا الدينارَ بالدينارينِ، ولا الدِّرهمَ بالدرهمينِ ) )، [رواه مسلم 1585] .

وقال r: (( الذَّهبُ بالذَّهبِ والفضَّةُ بالفضَّةِ والبُرُّ بالبُرِّ والشَّعيرُ بالشَّعيرِ والتَّمرُ بالتَّمرِ والمِلحُ بالملحِ مثلاً بمثل يداً بِيَدْ فمَن زادَ أو اسْتزادَ فقد أبَى الآخذ والمعطي فيهِ سوَاء ) ). [رواه مسلم 1584] .

وعن عبادة بن الصامت t قال: قال رسول الله r: (( الذهبُ بالذهبِ والفضةُ بالفضةِ والبرُّ بالبرِّ والشعيرُ بالشعيرِ والتمرُ بالتمرِ والملحُ بالملحِ مثلاً بمثل وسواءً بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذهِ الأصنافُ فبيعوا كيفَ شئتم إذا كان يداً بيد ) ) [رواه مسلم 1587] .

وعن أبي سعيد قال: جاء بلال بتمر بُرْنِيٍّ (تمر جيِّد) ، فقال له رسول الله r:

(( من أين هَذا ؟ فقال بلال: تمر كان عندي رديء بعت منه صاعين بصاعٍ لمطعَم النَّبي r فقال رسول الله r عند ذلك: أوّه عينُ الرِّبَا لا تفعلْ ولكن إذا أردتَ أن تشتريَ فبِعْهُ ببيعٍ آخرَ ثمَّ اشترِ بِهِ ) ). [رواه البخاري ومسلم] .

من هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها نعلم: بأنه يحرم بيع الذهب بالذهب مع الزياد، ويجوز بيع الذهب بالفضة، ولو زاد أحدهما على الآخر، وكذلك التمر بالبر لكن بشرط التقابض في مكان البيع قبل التَّفرق .

أيُّها المسلمُون:

يحرم على المرء أن يقترض مبلغاً من المال على أن يردَّ أكثر منه، سواء كان من بنك أو غيره، فالقرض عقد إرفاقٍ وإحسان، واشتراط ردِّ زيادة عليه ربا محرم، واستغلال سيئ، وكل قرضٍ جرَّ نفعاً فهوَ رِبَا .

هذا ومن أغلظ أنواع الربا ما تفعله كثيرٌ من البنوك من القرض بفائدة، وكذلك ما تعطيه لعملائها من فوائد بنكيَّة، وهي الرِّبا بعينه، فليحذر المسلم من التورُّط في معاملاتٍ مشبوهة، وليتحرَّ لقمة الحلال، لئلا ينبت جسمُه على سحتٍ فيكون خاسراً، دعاؤه مردود، وإثمه مضاعف، وهذا ما يفعله بعض الناس اليوم عياذا بالله، وصدق رسول الله r حين قال: (( ليأتينَّ على الناسِ زمانٌ لا يبالِي المرءُ بما أُخذَ المالُ أمِن الحلالِ أم منَ الحرَام ) ). [رواه البخاري مع الفتح 4/313] .

فيَا أيُّها العُقَلاء:

لا تغرنَّكم الحياة الدنيا، ولا يحملنكم طلب المال على ارتكاب الحرام، فلا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها .

أيُّها المسلم:

دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك، واسأل عمَّا أشكل عليك، وإياك أن تأخذ الربا، أو تشهد عليه، أو تعين على ذلك بأي وجهٍ من الوجوه، وتذكر بأن المال الحلال ليس لبركته حدٌّ ولا نهاية، أما أموال الربا والمعاملات المحرمة فهي سحتٌ ومحق،ٌ وحسرةٌ وندامةٌ، وخزيٌ يوم القيامة، وصدق الله (( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وبسنة إمام المتقين، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات، من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً .

أمَّا بعدُ:

فإنَّ مما يُعلم بالضَّرورة أنَّ الإسلام لا يحرِّم شيئاً إلا لحِكَمٍ عظيمة، أو منافع تعود على العباد، ولهذا حرم الله الربا، لما يفضي إليه من انقطاع المعروف بين الناس، من القرض الحسن، ولما يؤدي إليه ممن أخذ أموال الناس بغير عوض، وتعطيل الطاقات البشرية، لتحلَّ البطالة محل العمل والإنتاج .

كما أن الربا يزرع الأحقاد في القلوب، وينزع منها الرحمة، وبذلك تموت الأخوَّة، ويتفكَّك المجتمع، وإلى غير ذلك من الحكم التي اختص بها العليم الحكيم .

ألا فسحقاً للمُرابي فهو مطرودٌ من رحمة الله، محاربٌ لله، مقرونٌ بين معصيته وهي الربا مع الزِّنى، لتشابههما في الآثار السيئة على المجتمع .

آكل الربا دعاؤُه مردودٌ، وباب الخير في وجهه مسدود، وسوء الخاتمة تنتظره، وفي حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (( ذكرَ الرجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبَرَ , يمدُّ يديهِ إلى السَّماء: يا ربّ يا ربّ ومطعمُه حرامٌ , ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ , وغُذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يُستجابُ لذلك ) ). [أخرجه مسلم 1014] .

معاشِرَ المُسلمين:

إنَّ الله لمَّا حرَّم الرِّبا حرَّم جميع الوسائل الموصلة إليه سدَّاً للذَّريعة، ومن ذلك بيع العِينة: وهي أن يبيع سلعة بثمن معلوم مؤجَّل، ويسلمها إلى المشتري، ثم يشتريها هذا البائع قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل. مثال ذلك: أن يبيع شخصٌ سلعةً على شخص آخر بمائة ريال مؤجلة لمدة سنة، ثم في نفس الوقت يشتري هذا البائع سلعته من المشتري بخمسين ريالا نقداً، وتبقى المائة في ذمة المشتري الأول، وهذا محرم، فقد جاء عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله r: (( إذَا تبايَعتم بالعِينةِ، وأخذتُم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزَّرعِ، وتركتُم الجهادَ، سلَّط الله عليكم ذلَّاً لا ينزِعُه حتَّى ترجِعوا إلى دِينكم ) ). [رواه أبو داوود 3/275برقم3462 وصححه الألباني لكثرة طرقه السلسلة الصحيحة 1/15 برقم ] 11 .

ألا فاتقوا الله عباد الله ، واحذروا المكاسب الخبيثة، فإن أجسامكم على النَّار لا تقوى. عن سمرة بن جندب t قال: قال النبي r: (( رأيتُ الليلة رجلينِ أتَيَاني فأخرجاني إلى أرضٍ مقدسةٍ، فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دمٍ فيه رجلٌ قائمٌ، وعلى وسط النَّهر رجل بين يديه حجارةٌ، فأقبلَ الرَّجل الذي في النَّهر، فإذا أراد أن يخرجَ رَمى الرجلَ بحجرٍ في فِيهِ فَرُدَّ حيثُ كان، فجعلَ كلما جاءَ ليخرجَ رمى في فيه بحجرٍ فيرجع كمَا كان، فقلتُ من هذا فقال: الذي رأيته في النَّهر آكلُ الرِّبا ) ). [رواه البخاري في حديث طويل] .

اللهم ارزقنا رزقاً حلالاً وبارك لنا فيه، اللهم ارفع وادفع عنَّا الرِّبا والزِّنى والزلازل والمحن، وأعذنا من مضلات الهوى

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) [آل عمران:102] . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) [النساء:1] . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) [الأحزاب:70-71] .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت