فهرس الكتاب

الصفحة 8847 من 9994

وأَمَّا المعْلمُ الرابعُ: فهو ضرورةُ الإلمامِ بأحوالِ المدعوين, فذاكَ ركيزةٌ مهمةٌ من ركائزِ الدعوةِ, وعنصرٍ فاعلٍ في نجاحها, يا معاذٌ: إنَّك تأتي قوماً أهلُ كتاب, فانتبه يا معاذ, اعرفُ من سَتُواجه, واعرفُ من ستُقابل, واعرفُ من ستُناظر, فدعوةُ الكفارِ تختلفُ أسلوباً ومنهجاً، عن دعوةِ عُصاةِ الموحدين, فالكفارُ فيهم علمانيونَ حاقدون, وفيهم قبور يونَ خرافيون, وفيهم ملا حدةٌ وثنيون, وفيهم أهلُ كتابٍ متعصبون, وعُصاةُ الموحدينَ تتباينُ أعمارهم, وتختلفُ ثقافاتُهم, وتتمايزُ عقُولهم, وما يصلحُ في مخاطبةِ الشابِ ذوا العشرينَ عاماً, قد لا يُلائِمُ من تجاوزَ الستين عاماً، وإن كانَ خطأُ الاثنينِ واحداً, وما ينفعُ في مناصحةِ الجامعيِّ المُتعلم, قد لا يُفيدُ في محادثةِ صاحبِ الحرفةِ اليدويةِ البسيطة, وطالبُ العِلمِ الذي يُريدُ الحديثَ مخرِّجاً و مصحَّحاً, لا يُجدي معهُ إلقاءُ النصحِ جُزَافاً, ورميُّ الكلامِ على عواهنهِ.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .

واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية:

الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين,

أما بعدُ: أيَّها المسلمون:

وأمَّا المعْلمُ الخامسُ: من معالمِ النهجِ السلفيِّ في الدعوةِ والإصلاح, فهو دعوةُ الناسِ بالحكمةِ, والتي تعني:وضعُ الشيءِ في موضعهِ, ولا تعني الخضوعِ و الضعفِ, أو البلاهةِ و الدروشةِ, كما أنَّها لا تُعني الرفقُ واللينُ دائماً، كما يتوهمُ البعضُ, فاللينُ والرفقُ ضروريانِ في بعضِ المواقفِ, ولكنَّ الشدةُ والحزمُ أشَدُّ ضرورةً في مواقفَ أُخرى, وهكذا كانَ منهجُ النبي- صلى الله عليه وسلم- فقد كانَ هيناً ليناً, رحيماً رفيقاً, في معاملتهِ للأعرابي يومَ انتهكَ قُدسيةَ مسجدهِ, و لوثهُ بنجاستهِ وبوله, لما يَعلمُهُ من جَهلهِ وجفائه, وحاجَتهُ إلى الرفقِ والتعليم, لاستدراكِ ما اعتادهُ من سُلوك, وما نشأَ عليه من طباع, وكذلكَ كان هيناً ليناً, وهو يحاورُ شاباً يافعاً دخلَ عليه مجلسه, فقالَ يا رسولَ اللهِ ائذن لي في الزنا, فما نَهرَهُ و ما كهره, وما عَنَفَهُ و ما سبَّهُ وما شتمه, و لكنَّهُ قرَّبهُ بلطفٍ, و حاورهُ بأدبٍ, أترضاهُ لأُمك ؟! أترضاهُ لأُختك ؟! أترضاهُ لابنتك ؟ لعمتك ؟لخالتك ؟ كلُّ ذلكَ و الشابُّ يقولُ لا واللهِ يا رسولَ الله، جعلني اللهُ فداك, فخرجَ من مجلسهِ، وما شيءٌ أبغضُ إليهِ من الزنا, ولا أحبُّ إليهِ من العفةِ, هذهِ مواقفُ اللينِ حين تقتضيها الحكمة, ويَستدعيها بُعدَ النظر, ثُمَّ تأمل باركَ اللهُ فيكَ أيُّ شدة! وأيُّ حزمٍ يواجههُ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أسامةَ بن زيدٍ في هذا الموقفِ العجيب, بعثَ النبيُّ t بعثاً إلى المشركينَ، فكان بينهم مُسابقةٌ وقتال, فالتقى أُسامةَ رجلاً من المشركين لا يدعُ للمسلمين شاذةً ولا فاذة إلاَّ أتبعها, يضربُها بسيفه, فحملَ عليه أُسامةَ، فلمَّا هوى عليه ليقتُلهُ, إذا به ينطقُ التوحيد, فلم يكترث بهِ أسامةَ فقتله, فبلغَ النبي r خبرهَ، فأغلظ لأسامةِ وعنَّفهُ, يا أسامةُ، يا أسامةُ أقتلتهُ بعدَ أن قالَ لا إله إلا الله؟ قال يا رسولَ اللهِ، إنَّما قالها خوفاً من السيفِ, قال هلاَّ شققت عن قلبهِ لتعلمَ أقالها من أجلِ ذلك؟فما تصنعُ بلا إلهَ إلاَّ اللهِ إذا جاءت يومَ القيامة, فما زالَ يُرددُها و يُرددُها ويرددُها, حتى تمنى أُسامةَ ألاَّ يكون أسلمَ يومهِ ذاك, إنَّهُ موقفٌ يستدعي الشدةَ والحزم, فما كان لدمِ المسلمِ أن يُراقُ بغيرِ وجهِ حق, أو يذهبَ ضحيةَ تقديراتٍ خاطئة,يا أُسامةَ أَقَتَلتَهُ بعد أن قال لا إله إلا الله ؟ فما تصنعُ بلا إله إلاَّ اللهَ إذا جاءت يوم القيامة ؟ إنَّ مواقفَ الحزمِ والشدةِ في حياةِ رسولِ الله r حين يستدعي الأمرُ ذلك, ليس موقفاً أو موقفين, أو ثلاثة أو أربعة, إنَّها مواقفُ كثيرةً, فهو الذي غضبَ و اشتدَّ غضبهُ يوم اجترأ أُسامةُ نفسَهُ على الشفاعةِ لامرأةٍ مخزوميةٍ سرقت, وهو الذي غضِبَ و اشتدَّ غضبهُ يومَ أطالَ معاذٌ بقومهِ الصلاة, لكنهُ يبقى غضبٌ للهِ، وفي ذاتِ الله, خوفاً على أُمتهِ من أسبابِ غضبِ الله .

و أخيراً من معالمِ المنهجِ السلفي, مراعاةُ المصلحةِ و المفسدة, و شواهدهُ أكثر من أن تُحصر, يا عائشةُ لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بالجاهليةِ لهدمتُ الكعبةَ وبنيتُها على قواعدِ إبراهيم, يا عُمر لا يتحدثُ الناسَ أنَّ محمداً يقتلُ أصحابه, وهُناك معالمٌ أُخرى، لا يتسعُ المقامُ لذكرها تفصيلاً, فهو منهجُ الصبرِ، مُطَولُ النفس, و هو منهجُ الواقعيةِ و عدمِ المُكابرة, وهو منهجٌ لا يعرفُ الجُمودَ و التقوقع .

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى أله وصحابته أجمعين .

وأرضي اللهم عن الخلفاء الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهم آمنا في الأوطانِ والدور وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) )]آل عمران:102[ . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ))النساء:1 (.(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ))الأحزاب:70-71( .

أما بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أما بعد ، أيها المسلمون:

في اليومِ العاشرِ من شهر الله المحرم، أعز اللهُ فيه الإسلام ، وأذلَ الكفر وأهله, ذلك اليوم الذي يعتبرُ غرةً في جبين الزمان، إنه اليومُ الذي نجى الله فيه نبيه موسى عليه السلام ، وأهلكَ عدوهُ فرعونَ الذي طغى وتجبر, فيا ترى ما قصةُ ذلك اليوم ؟ وماذا جرى لموسى وفرعون ؟ وكيف كانت نهايةُ فرعونَ اللئيم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت