فهرس الكتاب

الصفحة 8846 من 9994

أيَّها المسلمون: من هُنا كانتِ الحاجةُ ماسةً إلى وضعِ النقاطِ على الحروفِ, وذكرُ أهمِّ المعالمِ التي قامَ عليها منهجُ السلفِ، في الدعوةِ و الإصلاح, مقروناً بالمشاهدِ و الأمثالِ، و الدليلِ و البُرهان, ليتبينَ لكَ أخي المسلمُ وجهَ الحقَّ, فتعظُُ عليهِ بالنواجذِ، مطمئنٌ إلى صحةِ المنهج, وسلامةَ الاتجاهِ, واللهُ نسألَ أن يُريَنَا الحقَّ حقاً ويرزُقنَا اتباعه, ويُرِيَنَا الباطلَ باطلاً ويَرزُقنا اجتنابه, وأن يُجنبَ المسلمينَ أسبابَ الفُرقةِ والاختلاف، وأن يجمعَ كلمتهم على البرِّ والتقوى, إنَّ ربي سميعٌ قريب. أيَّها الأحبةُ في الله: إنَّ للمنهجِ السلفيِّ في الدعوةِ والإصلاحِ معالمٌ وأصول, تُعرفُ بالاستقراءِ والتتبع, لما كانَ عليه رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من بعده, حينَ كانوا يُمارسون دورهم الفريد, وجُهدهم الجهيد, في التصدي للجاهليةِ الأولى, ودعوةَ الناسِ إلى نَبذِ الموروثاتِ المُتخلفة, والأنماطِ السلوكيةِ المُنحرفة, ودعوتهم إلى اعتناقِ الملةِ الإبراهيميةِ الحنيفية, وتبني الشريعةَ المحمدية السمحة.

إنَّ المعْلمَ الأول مِن معالمِ المنهج السلفي: هو العنايةُ بالدليلِ من كتابِ الله وسنةِ المعصومِ-عليه الصلاة و السلام-, إنَّهُ معلمٌ مستمدٌ من قولهِ تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ) (الحجرات:1) إنَّهُ معلمٌ بالغُ الأهميةِ, واضحُ الدلالةِ، إنَّهُ يَعني باختصار, أنَّهُ لا يَحقُّ لأحدٍ كائناً من كان, فقيهاً أو مُحدثاً أو مفسراً، كبيراً أو صغيراً, لا يحقُّ له أبداً أن يتكلمَ باسمِ الدين, بعرضِ رأيهِ، و بما يُمليهِ عليهِ هَواه، وليس لأحدٍ حقُّ القَوامةِ على هذا الدين, فالدينُ دينُ اللهِ, و الحكمُ حكمُ اللهِ, والشرعُ شرعُ الله, و الأمرُ أمرُ الله, فلا يُطرحُ رأيٌّ، و لا يُسمعُ قولٌ إلاَّ مقروناً بالدليلِ من كتابٍ و سُنة, ولوفقهَ المسلمونَ وصيةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حيثُ يقولُ: (( تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تَضلوا بعدي أبداً، كتابُ اللهِ و سنتي ) )لو فقهَ المسلمون هذهِ الوصيةِ, لما حدثَ الانحرافُ والضلال, ولما حدثَ الغلوُّ والجفاء, لو اعتنى المسلمون بالدليلِ, لما اضطربت بهمُ الأمواج, ولما هاجت بهمُ الريحُ, فمرةً في أقصى اليمينِ و أُخرى في أقصى الشمال, لو اعتنى المسلمون بالدليلِ لما قدَّمُوا قولَ زيدٍ أو عُبيد, إذ لا عصمةَ لزيدٍ ولا حصانةَ لعُبيدٍ, ورحمَ اللهُ ابنُ عباسٍ- ورضي عنهُ- إذ يقولُ: يُوشَكُ أن تَنزلَ عليكم حِجامةً من السماءِ, أقولُ قالَ رسولُ اللهِ, وتقولونَ قال أبو بكرٍ وعمر, يقولُ هذا في حقِّ من عارضَ بقولِ الشيخينِ قولَ رسولُ الله r, فكيفَ بمن قدَّمَ رأيَهُ وهواه, ورأيَّ مشايخهِ على كلامِ اللهِ ورسوله, حتى قال قائِلُهم كلُّ حديثٍ خالفَ كلامُ مشايخنا فهو منسوخٌ أو ضعيفٌ أو مؤولٌ, إنَّها لمسافةُ بعيدة, وبونٌ شاسعٌ بين هؤلاءِ وبين منهجِ السلف, الذين كانوا أحرصَهم وأشدَّهم تمسكاً بالدليلِ, لمَّا دَعا عُمرُ الناسَ إلى الحدِّ من المهورِ والمغالاةِ فيها , وقفت لهُ امرأةٌ، قالت ليس لك ذاكَ يا عمر, ليس لك ذاك يا عُمر, إنَّ اللهَ يقولُ: (( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) ) (النساء: من الآية20) فما جاوزها عُمر- رضي الله عنه- و لا جادلَ و لا ناقش, لعلمهِ بما دلت عليه, وهكذا كانت دعواتُ السلفِ ومناهجهم الإصلاحية, تنطلقُ من نصوصِ الوحيين الشريفين, و تتقيدُ بزمامهما .

وأمَّا المعْلمُ الثاني: الذي يقومُ عليه منهجهم في الدعوةِ و الإصلاح, كونُهُ يقومُ على قاعدةٍ متينة, راسخةً من العلمِ و الفقهِ في الدين. (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ) ) (يوسف: من الآية108) . لذا كان عليه الصلاة السلام ينتقي دُعاتهُ انتقاءً, ينتقيهم من العلماءِ الراسخين, و طلبةِ العلمِ النابغين, هاهو يُرسلُ معاذاً وأبا موسى إلى اليمن, لما يَعلمهُ من طولِ باعهما في العلم, و رسوخِ قدميهما فيه, بيدَ أنَّ العلمَ المطلوبُ في الدعوةِ لا يعني الإحاطةَ و الشمول, فذاك متعذراً أو مستحيل, إذ لا يُشترطُ في الداعيةِ أن يكونَ مفسراً بارعاً كالطبري, أو مُحدثاً حافظاً كالبخاري, أو فقيهاً ذكياً كالشافعي, و لكنهُ يدعو بحسبِ ما لديهِ من علم, و ينصحُ بقدرِ ما عندهُ من فائدة, كان الرجلُ يقدمُ المدينةَ فيتلقى من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مبادئَ الإسلام, ثُمَّ يعودُ بها سريعاً إلى قومهِ فيصبحُ أستاذهم وشيخهم و إمامهم في الصلاة, إنَّما المحذورُ أن يفتخرَ الإنسانُ بما لا يعرف, ويتكلمُ بما لا يُجيدُ, و يفتي بما لا يعلمُ, و يُحللُ و يُحرِّم, و يُبَدِّعُ و يُفسِّق, و يَجرمُ ويَخُون بلا علم, و لا هُدىً و كتابٍ مُنير, ويا لمصِيبتنا بأمثالِ هؤُلاءِ الذين يخوضون في أهلِّ بدر,وكبارِ المهاجرينَ و الأنصار, ولو عُرضت على شيخِ الإسلامِ لقدمَّ قدماً و أخر أُخرى قبلَ أن يتفوهَ بكلمةٍ, أو يَخُطَّ حرفاً .

وأمَّا المعْلم الثالث: فهُو البدايةُ بالأصولِ والمُهمات, قبلَ الانشغالِ بالفروعِ والجُزئيات, فتصحيحُ المُعتقدِ, وترسيخُ أُصولِ الإيمانِ, هو ما ينبغي أن تتجهَ إليهِ هممُ الدُعَاةِ أولاً, هذا نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم يوصي مُعاذاً, وهو يُحملهُ أعباءَ الدعوةِ في اليمن: (( إنكَ تأتى قوماً أهلُ كتاب, فليكُن أولَّ ما تدعوهم إليهِ شهادةُ ألا إله إلاَّ الله، و في روايةٍ إلى أن يوحدوا اللهَ، فإن هُم أطاعُوكَ لذلك فعلِّمهم أنَّ اللهَ قد افترضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم و الليلة ) )إلى آخرِ الحديث، إنَّ معاذاً يعلمُ مَن أهلَ الكتابِ, إنَّهُ يعلمُ أنَّهم كانوا يتعاطون الربا, و يأكلونَ السُحت, و يقترفون الكبائرَ, و رُغمَ ذلك لم يبدأ مُعاذٌ مشوارهُ معهم, بتحذيرهم من تلكَ المُوبقات, و لكن فليكن أولَّ ما تدعُوهم إليه, شهادةُ أن لا إلهَ إلا الله, أولَّ ما تدعُوهم إليهِ هو التوحيدُ يا معاذ, قبلَ الصلاةِ نعم، قبلَ الزكاةِ نعم, قبلَ تركِ الربا نعم, ما فائدةَ أن يُصلي اليهودي و هو يقولُ عزيرٌ ابنُ الله, ما فائدةَ أن يتعففَ اليهودي عن الربا وهو يقولُ يدُ اللهِ مغلُولة, ما فائدةَ أن يُصلي النصراني و هو يقولُ إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثة, بل ما فائدةَ أن يُصلي من يَدعي الإسلامُ وهو يستغيثُ بالموتى, ويتوسلُ بالمقبورين, إنَّ الدعوةَ إلى أداءِ الواجباتِ من فروعِ الدينِ، ومجانيةِ المنكرات, ويجبُ أن تكونَ مرحلةٌ تاليةً بعدَ الاطمئنانِ إلى سلامةِ المعتقدِ وصحته, وهي قضيةٌ مهمةٌ يجبُ أن يأخُذها الدعاةُ بعينِ الاعتبار, وهم يخوضونَ غمارَ الدعوةِ وزحمتها, فواجبَهم أن يُدركوا رُكامَ الشركِ وكثافته, وحجمَ الإِلحادِ ومساحته, اللذينَ أفسدوا على الناسِ فِطَرهم، و دنَّسُوا عليهم عقائِدهم، لا بُدَّ من حزمٍ في هذهِ المسألةِ، لا بُدَّ من جهادٍ مستميت, حتى يُجردَ الناسُ العُبودِيةَ للهِ وحده, ويجردوا الولاءَ للهِ و لرسولهِ وللمؤمنين, لا بُدَّ من حزمٍ و جهادٍ, حتى تُنبَذَ الو لاءاتُ الفارغةِ, و المللُ الفاسدةِ, و الأفكارُ الموبوءةِ, والقيمُ الزائفةِ, والجاهليةُ الماجنة, لا بُدَّ من مُعادَاةِ الكُفرِ و أَهلهِ ورموزه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت