فهرس الكتاب

الصفحة 4931 من 9994

#دُرّة المواسم

لفضيلة الشيخ

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونستغفره، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرور أنُفْسِنَا وسَيئاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فنحمد الله سبحانه وتعالى على تجدد اللقاء.

أيها الإخوة الكرام: إن الناظر في حال سلف الأمة يرى فيهم اجتهاداً عظيماً واستكثاراً من الأعمال الصالحة، يرى من أولئك الذين جعلهم الله سبحانه وتعالى صفوة اصطفاهم في تلك القرون المباركة، استزادة من التقوى وعملاً بالصالحات، واشتغالاً بما يقرّب إلى الله جل وعلا.

حتى إنه قيل في كثير منهم: إنه لو قيل لأحدهم: إن القيامة تقوم غداً ما قدر أن يزيد في عمله شيئاً.

وذلك لأنهم قوم شمروا في طاعة الله عز وجل، اجتهدوا في كل ما يقربهم إلى الله عز وجل، فهموا وعقلوا أن هاذه الدنيا مزرعة الآخرة، وأنها معبر لا مقر، الفائز فيها من اجتهد بالعمل بالصالح، من استكثر من زاد التقوى الذي أمر الله جل وعلا بالتزود به حيث قال: ?وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى? (1) .

الله جل وعلا -أيها الإخوة- أمر أهل الإيمان بالاشتغال بالطاعات فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ? ثم قال: ?وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? (2) . إن الناظر في سير الأنبياء وما ذكره الله جل وعلا عنهم في محكم التنزيل في الكتاب الحكيم يرى أن من أوصافهم التي وصفهم الله بها أنهم قوم يسارعون في الخيرات، قال الله جل وعلا: ?إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) ? (3) . وقد وصف الله جل وعلا خواص عباده وخُلَّص أصفيائه بهذه الصفة فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ?أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) ? (4) .

أيها الإخوة: إن الله جل وعلا برحمته ومنّته جعل العمر مزرعة للآخرة، ومن عظيم فضله أن جعل من المواسم ما هو محل للاستزادة من الخيرات والاستكثار من الطاعات والمسابقة فيما هو سبب لحصول جنة عرضها السماوات والأرض.

فمن تلك المواسم؛ بل من أبرز تلك المواسم؛ بل هو درة المواسم ما نحن مقبلون عليه بعد ليالٍ قليلة، إنه شهر رمضان المبارك الذي خصّه سبحانه وتعالى بخصائص قدرية كونية، وخصه بأحكام شرعية كثيرة، إن مما خص الله به هاذا الشهر أن اصطفاه فجعله محلاًّ لنزول أعظم آية أوتيها نبي، ألا وهي القرآن، قال الله جل وعلا: ?شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ? (5) . هاذا الشهر الذي أنزل الله فيه خير كتبه على خاتم رسله يدلك على أن له من المزية والخاصية ما جعله محلاًّ لهذا الاصطفاء والاختيار: ?وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ? (6) . إن من الخصائص القدرية التي خصّ الله بها هاذا الشهر أنه شهر تفتّح فيه أبواب الجنة فلا يبقى منها باب مغلق، وتغلّق فيه أبواب النيران فلا يبقى منها باب مفتوح؛ بل قد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وتصفد فيه الشياطين ) ). ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إذا دخل شهر رمضان فتّحت أبواب الجنة وغلّقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين ) ) (7) . وفي رواية الترمذي قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ) )ثم اسمع قال: (( وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر ) )ثم استمع: (( ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ) ) (8)

(1) سورة: البقرة (197) .

(2) سورة: الحج (77) .

(3) سورة: الأنبياء (90) .

(4) سورة: المؤمنون (61) .

(5) سورة: البقرة (185) .

(6) سورة: القصص (68) .

(7) البخاري: كتاب الصوم، باب هل يقال:رمضان أو شهر رمضان؟ حديث رقم: 1899.

مسلم: كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، حديث رقم: 1079.

(8) الترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، حديث رقم: 686.=

= ابن ماجه: كتاب الصوم، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، حديث رقم: 1642.

قال الشيخ الألباني: صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت