فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المشكاة ...
... اشتهر الإمام ابن تيمية كعالم فذ، غزير العلم، واسع المعرفة، قوي الحجة، ساطع البرهان، غير أن الكثيرين لا يعرفون أنه صاحب مقامات عالية، وأحوال سامية، وأذواق روحية راقية يقول الشيخ أبو الحسن الندوي"ما ذكره الحافظ ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين من أحواله و أقواله بمناسبات شتى و كذلك ما ذكره العلامة الذهبي وأمثاله في ترجمته عن أخلاقه و أذواقه و عاداته و شمائله و أشغاله وأعماله فيدل دلالة واضحة على أن شيخ الإسلام ابن تيمية يستحق بكل جدارة أن يعد من العارفين و رجال الله في هذه الأمة وهناك ينشرح كل صدر للاعتراف بأنه كان يتبوأ تلك المكانة"1. وفي ما يلي من كلمات، نسلط بعض الضوء على هذا الجانب ـ من صفات الإمام ابن تيمية ـ الذي يغفل عنه الكثيرون. عبادته:
يقول عنه ابن عبد الهادي"والأحوال التي عاش فيها شيخ الإسلام ابن تيميه تشهد بأنه كان متحلياً باليقين والمشاهدة التي بعثت فيه صفة الافتقار والاضطرار والعبودية والإنابة وقد روي أنه إذا أشكلت عليه مسألة أو صعب فهم آية التجأ إلى جامع في مكان موحش ووضع جبهته على التراب و ردد قوله: يا معلم إبراهيم فهمني"2 .
ويقول العلامة الذهبي:"لم أر مثله في ابتهاله واستغاثته وكثرة توجهه"و يقول ابن تيمية"إنه ليقف خاطري في المسألة أو الشيء أو الحالة التي تشكل علىّ فاستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر وينجلي إشكال ما أشكل".
ولا يحول دون هذه الحالة نوع من الجلوة والمجالس وصخب الأسواق يقول:"و أكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدروب أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي"3 .
وكان له ذوق خاص في العبادة والمناجاة والخلوة، قيل عنه"كان في ليله منفرداً عن الناس كلهم خاليا بربه عز وجل ضارعاً إليه، مواظباً على تلاوة القرآن العظيم مكرراً لأنواع التعبدات الليلية والنهارية وكان إذا دخل في الصلاة ترتعد فرائصه وأعضاؤه حتى يميل يمنة ويسرة"4.
"وكان إذا صلى الفجر يجلس في مكانه حتى يتعالى النهار جداً يقول هذه غدوتي لو لم أتغد هذه الغدوة سقطت قواي"5. ويقول عنه الذهبي"له أوراد و أذكار يدمنها بكيفية وجمعية"6.
زهده وتواضعه:
ومع عبادته ومكانته العلمية كان متواضعاً هاضماً لنفسه منكراً لذاته يقول ابن القيم"كان كثيراً ما يقول ما لي شيء ولا مني شيء ولا فيّ شيء"وان مدحه أحد في وجهه قال"والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلاما جيداً". وكان ينشد:
أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي و جدي
يقول ابن القيم"سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: العارف لا يرى له على أحد حقاً ، ولا يشهد له على غيره فضلاً ولذلك لا يعاتب ولا يطالب ولا يضارب"7 .
كما كان شيخ الإسلام ابن تيمية زاهداً في الدنيا مقبلاً على الآخرة يقول زميله في الدراسة ومعاصره الشيخ علم الدين البرازلي"و جرى على طريقة واحدة من اختيار الفقر و التقلل من الدنيا ورد ما يفتح عليه"8.
و رُوِى أن الملك الناصر قال له ذات مرة:"سمعت أن الناس أطاعوك وأنت تفكر في الحصول على الملك، فرد عليه الشيخ قائلاً بصوت عالٍ سمعه الناس الحاضرون كلهم:"أنا أفعل ذلك ؟ والله إن ملكك و ملك المغل لا يساوي عندي فلساً"9."
وهذا الزهد في الدنيا أورثه الجود والسخاء حتى قيل عنه"وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يضرب بهم المثل"10، وكانت تأتيه القناطر المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة و الأنعام والحرث فيهب ذلك بأجمعه ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه لا يأخذ منه شيئاً إلا ليهبه ولا يحفظه إلا ليذهبه"11."
ويقول عنه الحافظ ابن فضل الله"كان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئاً نزع بعض ثيابه فيصل به الفقراء".
سلامة صدره:
كان الإمام ابن تيمية لا يحمل في صدره على أحد من المسلمين حتى الذين عادوه وألبوا عليه، يقول عنه تلميذه ابن القيم"كان يدعو لأعدائه ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت إليه يوماً أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إيذائه و عدائه فزجرني و أعرض عني و قرأ { إنا لله و إنا إليه راجعون } 12، وذهب لساعته إلى منزله فعزى أهله وقال: اعتبروني خليفة له ونائباً عنه أساعدكم في كل ما تحتاجون إليه وتحدث معهم بلطف وإكرام بعث فيهم السرور فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجبوا منه"13.
أنسه بالله وطمأنينة نفسه:
ونتيجة للإيمان الصحيح واليقين الثابت والتحرر من قيود الشهوات كان الإمام ابن تيمية مطمئن النفس، منشرح الصدر، (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) .