فهرس الكتاب

الصفحة 8571 من 9994

خطابٌ عظيم، يُوجِهُهُ صاحبَ الشريعةِ، الخبيرُ بأحوالِ أُمته، العليمُ بطبَائعهم المختلفة، إي الشباب، يُرشِدُهُم فيهِ، ويعِظُهم إلى فضيلةِ النكاحِ الذي يقعُ بهِ غضُّ البصرِ، وحفظُ الفرجِ، فهل يفقهُ هذا التوجيهُ النبويُّ الكريمِ الذينَ اغتروا بتلكَ العباراتِ الرنانة، والدعايةِ الباطلةِ في دعوى تأخيرِ الزواجِ، أسأل الله ذلك .

ومن تلك العقباتِ التي تحدُّ من الزواجِ، الاحتجاجُ بفقرِ الزوجِ وعدمِ استلامهِ لوظيفة، فإلى أولئكَ نُوجِهُ لهم قولَ اللهِ تعالى: (( إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) (سورة النور:32) .

روى عن أبي بكر الصديق t أنَّهُ قال: (( أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاحِ يُنجز لكم ما وعدَكم من الغنى .

قال تعالى: (( إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ) ).

وروى الإمامُ أحمد في مسندهِ عن أبي هريرةَ t قال قال رسولُ الله r: (( ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونُهم:الناكحُ يُريدُ العفاف ) ).

الحديثُ هذا هُو منطقُ الإيمانِ وليسَ ما يسُودُ اليومَ في بعضِ الأوساطِ من المُنطلقِ المادي، الذي يحكُمُ تصرفاتِ الناسِ بعيداً عن التوكلِ على اللهِ والاعتمادِ عليه، وقد نسيَ هؤلاءِ أنَّ اللهَ هُو الرزاقُ ذُو القُوةِ المتين، وأنَّ كثيراً من الأغنياءِ كانُوا بالأمسِ القريبِ فُقراءَ لا يملِكُونَ نقيراً ولا قطميراً .

بارك الله لي ولكم

الخطبة الثانية

أيُّها المسلمون:

وإذا تأملتَ في واقعِ بعضِ المُعرضِينَ عن الزواجِ تلحظُ أنَّهم يتحجَجُونَ بحججٍ داحضةٍ، تتساقطُ تدريجياً وبتلقائيةٍ تامةٍ قبلَ أن يُسقطَها النقدُ والتمحيص، فبعضُ أُولئكَ الذين يَدعُونَ عدم استطاعَتهم للزواجِ لما فيهِ من تكاليفَ ماديةً، يُكذِبُونَ أنفسَهم بأنفسهم، عبرَ سَفرَاتِهم المُتكررةِ إلى خارجِ البلاد، ليتمتعُوا بالحُريَّةِ البهيميةِ في بلادٍ كافرة، لا تحلُ حلالاً ولا تُحرمُ حراماً، أو بالأصحِ تُحلُ الحرامَ، وتُحرمُ الحلال، أو في بلادٍ تُشابِهُ بلادَ الكفرةِ في إباحةِ الزنا، والدعوةِ إليهِ وحراسَتِهِ وتنظيمه، وإنَّكَ لتراهُ مجيباً للسفر، مُنفقاً على المُومِساتِ إنفاقاً كبيراً، مع تقتيرهِ على نفسهِ وأهلهِ إذا عادَ إلى بلادهِ لأجلِ جمعِ المالِ والعَودةِ بهِ إلى الخارجِ مرةً أُخرى.

وأنتَ ترى بعضَ الذين يتحجَجُونَ بتكاليفَ الزواج، تراهُم يركبُونَ السياراتِ الفاخرة، بل وغيرَ الفاخرةِ، لا يعملون، ولا هَمَّ لهم إلاَّ مُطاردةِ النساءِ في الأسواقِ، لم ذلكَ كُلَّهُ ؟ لأجلِ الشهوةِ، فكيفَ يمنعُ نفسَهُ عن الزواج ؟ يقولُ: لا أستطيع، إنَّ المهورَ غاليةً ؟ كلمةُ حقٍّ أُريدَ بها باطل ؟ أين أنت ؟ أين عملُك ؟ أم تريدُ أن تُعطى المرأة لك على طبقٍ من ذهب، وأنتَ مُتكلٌ على أبيكَ، تنامُ النهار، وتسهرُ الليل، وتقولُ: زَوجُوني زوجوني، أو اترُكُوا لي الحبلَ على الغارب، أُعَاكِسُ النساءَ في الأسواق، وأسعى للحُصولِ منهنَّ على موعد.

ألا فليتقِ اللهَ أولئكَ وليخشوا غضبَ الجبارِ ونكاله، وجحِيمهِ وناره، وكفى سفاهةً ومُراهقةً، فالعمرُ قصير، والحسابُ عسير، والموقفُ مهول، أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم: (( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) ).

هذا وصلُوا رحمَكُم اللهُ على أفضلِ الخلقِ كَما أمرَكُمُ اللهُ بذلك .

الحمدُ لله نحمدهُ, ونستعينهُ ونستغفره, ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالنا , من يهدهِ اللهُ فلا مُضلَّ له, ومن يُضلل فلا هادي له .

وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبده ورسوله, أرسلهُ بالهدى ودينِ الحق ليظهرهُ على الدينِ كلِّه ولو كرهَ المشركون, اللهمَّ صلِّ وسلم على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ ومن تبعهم بإحسان.

أمَّا بعدُ: فأوصِيكم ونفسي بوصيَّة الله للأولين والآخرين, حيثُ قال وهو أصدقُ القائلين: (( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ ) ) (سورة النساء: 131) .

وهي وصيَّةُ إمامِ المتَّقين، وخاتمُ النبيين، حيثُ قال r: (( اتَّق الله حيثُما كنتَ , وأَتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُهَا , وخالِقِ النَّاس بخلقٍ حسن ) ).

فمن حفظَ حدودَ الله واتقاه, واجتنب ما عنهُ حذَّرهُ ونهاه, جعلَ اللهُ لهُ من كلِّ همٍّ فرجاً, ومن كلِّ ضيقٍ مخرجا, ورزقهُ من حيثُ لا يحتسب, وهذا هو شأنُ الصَّادقين, الذين يُحافظونَ على الفرائضِ ويبتعدونَ عن المحرَّماتِ في الحضرِ والسفر , وفي الخلوةِ وبين الناس. فهم يُوقِنون باطِّلاعِ الله عليهم, ورؤيتِهِ لهم, وعلمِهِ بأحوالهم, فهو العليمُ بذات الصدورِ- سُبحانهُ وبحمده- يقولُ تعالى: (( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) ) (سورة يونس:61) .

أيُّها المسلمُون: أقيموا الصَّلوات, ولا تتَّبعوا الشَّهوات, فإنَّ اتِّباعِ الشهواتِ يصدُّ عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاة, يقولُ تعالى بعدَ ما أثنى على مَن أنعمَ عليهم من النبيينَ ومن اجتباهُم وهُداهم, قال عن المضيِّعين والمُتبعين لشهواتهم: (( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) ) (سورة مريم: 59-60) .

لقد زُيِّنَ في قلوبِ الناسِ حبُّ الشهواتِ من النساءِ والبنينِ والقناطيرِ المقنطرةِ من الذهبِ والفضةِ والخيلِ المسوَّمةِ والأنعامِ والحرث, وكلُّ هذا كما قالَ الله تعالى: (( ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ) ) (سورة آل عمران:14-17) .

إنَّ من الشهواتِ ما هُو حلالٌ يؤجَرُ المرءُ عليه, ومنها ما هُو حرامٌ يُعاقبُ الإنسانُ عليه ويؤدِّي بصاحبهِ إلى النار -والعياذ بالله- , قال r: (( حُجِبَتِ النَّارُ بالشَّهوات , وحُجبت الجنَّةُ بالمكارِهِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت