(إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) (الفرقان:12) وخرج المنادي من الزبانية قائلاً:أين فلان بن فلان المسرف على نفسه بطول الأمل ، المضيع عمره في سوء العمل فيبادرونه بمقامع من حديد ، ويسوقونه إلى العذاب الشديد وينكسونه على وجهه في قعر الجحيم ، ويقولون له ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (الدخان:49) فأسكنوه داراً ضيقة الأرجاء ، مظلمة المسالك ، مبهمة المهالك، يدعون فيها بالويل والثبور ومالهم من أسّر جهنم فكاك، قد ُشدت أقدامهم إلى النواصي ، وأسودت وجوههم من ظلمة المعاصي ، ينادون من أكنافها ، ويصيحون في نواصيها وأطرافها ، يا مالك قد حق علينا الوعيد يا مالك قد أثقلنا الحديد ، يا مالك قد نضجت منا الجلود ، يا مالك العدم خير من هذا الوجود ، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (الزخرف:77)
فعند ذلك يقنطون، وعلى ما فرّطوا في جنب الله يتأسفون ، فتصورهم يا أخي والنار من فوقهم، والنار من تحتهم ، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمائلهم. لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل.
منهم غرقى في النار ، طعامهم نار ، وشرابهم نار ، ولباسهم نار ، ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ .يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) (الحج:19،20) يتمنون الموت ولا يموتون (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) (إبراهيم: من الآية17) .
اللهم أجرنا من نارك وجنبنا غضب وسخطك ، اللهم ارض عنا اللهم ارض عنا اللهم ارض عنا ، اللهم لا تعذبنا بنارك فإن أجسامنا على النار لا تقوى. واغفر لنا فإن بحاجة إلى رحمتك وعفوك.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى ..
أخي الحبيب: من منا لا يُذنب ؟ ومن منا لا يُخطئ في حق ربه ؟ وهل تظن أن أخطاءنا أمر تفردنا به لم تسبق إليه ؟ كلا . فما كنَّا في يوم من الأيام ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.. ولكن .. نحن بشر معرضون للأخطاء وكل من ترى من عباد الله الصالحين لهم ذنوب وخطايا، فما منا إلا وله ذنوب ومعاصي ، قال حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم:"ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم"
إن هذه الخطايا ما سلمنا منها ولن نسلم فتعال معي ندحر الشيطان باستغفار من القلب على ذنوب مضت ، تعال نجدد التوبة إلى الله عز وجل ،ولتكن توبة صادقة من القلب وليكن دأبنا قول الباري عز وجل (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (لأعراف: من الآية23) وليكن لهجنا ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ) (آل عمران: من الآية135) .
أما أنتم يا من أسرفتم على أنفسكم بالمعاصي والذنوب حتى ظن بعضكم أن الله لا يقبل توبته إذا تاب فإني أقول لكم مهلاً فالباب ما زال مفتوحاً للتائبين إنني أقول لكم جميعاً من قلب محب للخير لكم ولأمثالكم استمع قول إلى الله وهو يناديكم قائلاً ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53)
فيالها من بشارة ما أعظمها وما أسعدها ، بشرى تُساق إليك في الدنيا وتفوز بها في الآخرة ففي الدنيا اطمئنان في القلب وانشراح في الصدر وسعة في الرزق ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) .
وفي الآخرة (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب إن هذا لرزقنا ما له من نفاد )
فيا محب النجاة والفوز بالجنات هذه قوافل التائبين تسير فهل نرى أثار أقدامك مع أقدامهم.
وهذه جموع المنيبين تقبل فهل يا ترى يقبل قليله معهم .
وهذه دموع المستغفرين تراق على وجناتهم فهلا أسبلت من عينك دموعاً تلحقك بركبهم.
اللهم من كان منا مذنبا فأبدل سيئاته حسنات ومن كان منا تائباً فاقبله .
اللهم اغفر ذنوبنا ومعاصينا نحن المذنبون ونحن العاصون سبحانك ما عصيناك استخفافا بنهيك ولا استهتارا بنارك وعذابك ولكن من أنفسنا والشيطان اللهم فقيض لقلوبنا هدية من عندك واغسلها بماء التوبة ونورها بنور الطاعة وبرد اليقين ..
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة في الله: مع جمالِ أيامِ رمضان ..ومع حسنِ بهائها ..ونظارةِ لياليها ..خاصةً ليالي العشرِ المباركة ..إلا أن هناك بعضَ المعكرات ..وشيئاً من المكدرات ..المعكراتِ التي تثيرُ الأشجان ..وتجلبُ الأحزان ..والمكدراتِ التي تؤنبُ الضمائر ..وتقلقُ الخواطر ..نعم والله هناك أمورٌ ..تجعلُ الحليمَ حيران ..كيف يحدثُ هذا في الشهرِ المبارك ؟
عجباً لحال الناس ..إي وربي ..عجباً لحال الناس ..أما وجدوا أوقاتا غيرَ هذه الأوقات ؟!! حتى في مواسمِ النفحات ..ومواسمِ تنزلِ الرحمات ..لا يتخلى الناسُ عن بعضِ أفعالِهم ..وشيء من تصرفاتِهم .
انظر إلى الأسواق..وقد ضاقت بالنساء!! انظر إلى المراكزِ التجاريةِ وقد امتلأتِ بالنساء !! انظر إلى الناسِ وهم يتهافتون على المراكزِ التجارية ..ويتسابقون إلى مسابقاتِها والتي إن سلمت من الميسرِ لم تسلمْ من الإضرارِ بالآخرين ..ويكفي أنها تُسببُ الاختلاطَ المحرم..
يا ترى أما وجدوا وقتاً لشراءِ حاجاتِهم غيرِ هذه الأوقاتِ الفاضلة ..والمواسمِ العامرة ؟!!
والمتأملُ لحالِ الأسواقِ عامة ..وفي رمضانَ خاصةً ..يجدُ صُوراً مأساويةً ..تفتُ النفوسَ ..وتفطرُ الأكباد ..صورةُ المرأةِ وهي مع السائقِ وحدَها أو مع سائقِ الأجرة ..وصورةُ النساءِ المتبرجاتِ وهنَّ في الأسواقِ بلا محارم ..وصورةُ الولي وهو جالسٌ في سيارتهِ يُقلبُ صفحاتِ الجريدةِ وأهلُه في السوق.. وصورةُُ الولي مع أهلهِ بنقابِها الفاتنِ ..وعباءتِِها المخصرةِ أو على الكتف ..وصورةُ الأمِ مع بُنياتِها ..وهي تدورُ في السوقِ ..فتشعرُ بالتعبِ أثناءَ الدورانِ فتستريحُ ومن ثم تكملُ البُنياتُ التسوق ..وصورةُ الشبابِ الذين قدموا للأسواق ..بملابسَ غربيةً أو غيرِها ..وهم يتحينون الفرصةَ ..ويبحثون عن الفريسة !! ولا أُريدُ أن أكملَ فصولَ المأساة .. إنها مآسي تزدادُ في رمضان ..إي وربي تزدادُ في رمضان . وحتى لا يتصورُ البعض أننا ننطلقُ من عواطفَ جياشة ..وأننا نضخمُ الأمور ..إليك هذه الإحصائِيات.والتي توضحُ لك بجلاءٍ ..صدقَ ما نقول:
بلغتِ نسبةُ المعاكساتِ في شهرِ شعبانَ الماضي..في مكانٍ واحدٍ فقط تسعةً وعشرين حالة.
وأما في رمضانَ فقد بلغتِ نسبةُ المعاكساتِ..في مكانٍ واحدٍ فقط.. مائةً وتسعاً وأربعين حالة ..منها في العشرِ الأواخرِ أربعٌ وخمسون حالة !! وبلغت نسبةُ الاختلاءاتِ المحرمةِ ..أربعاً وثلاثين حالة ..منها عشرُ قضايا في العشرِ الأواخرِ من رمضان ..وأما في أحرى الليالي بليلةِ القدر ..وهي ليلةُ السابعِ والعشرين ..فقد بلغت نسبةُ القضايا التي أُلقي القبضُ عليها سبعَ حالاتٍ ما بين معاكساتٍ واختلاءاتٍ محرمة !! .