د. ابراهيم أبو سالم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قدوتنا المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله وعلى آلله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، فإنه ليسرّني أن أشارك في هذه الندوة العلمية بصحبة ثلة من الأساتذة الكرام وبحضور صفوة من أهل العلم والفضل ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر لكل من أعدّ لهذا اللقاء الكريم.
ولما كان الموضوع واسعاً جداً، رأيت من المناسب أن أعنون كلمتي"خطبة الجمعة بين النجاح والفشل"، وألخص أفكاري في بضع وعشرين نقطة موجزة وأنا واثق أن كل نقطة منها تستحق الإفاضة والزيادة، لكن الوقت لا يسمح وسأترك ذلك للمستمع الكريم والقارئ الكريم تضيفون ما تشاؤون وتضعون الأمثلة والأدلة كل حسب جهده ووقته ورغبته، وفيما تلك النقاط:
1-أهمية الخطبة من أين يأتي ؟
أ- الحضور للجميع
كل المسلمين نجدهم حريصين على حضور الجمعة لقوله تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"1 والأمر هنا للوجوب، والخطاب للمكلفين ويخرج منه النساء والمرضى والمسافرون والأطفال.
ومع ذلك فإن هؤلاء جميعاً، يجيب النداء منهم أعداد كبيرة، فالنساء زرافات ووجداناً، والأطفال مع آبائهم وأمهاتهم يتدربون ويتعودون ويخشعون ويتأدبون ويتعلمون، والمسافرون لا يألون جهداً الحضور ويرون في تركهم صلاة الجمعة بأساً لا يليق بهم فإن أتيحت فرصة أقبلوا على المساجد حيث هم، وما أكثر المرضى الذين يستغيثون بذويهم لإقامة الجمع، ونرى مظهراً في كثير من المساجد اصطفاف المقاعد وجلوس الزّمني عليها، وهذا يشير بوضوح إلى حرص المكلفين وغيرهم من المسلمين لحضور صلاة الجمعة وخطبتها ابتغاء الأجر والثواب والعلم والتربية ولأهداف متنوعة.
ب- الحضور منوّع: هذه الشريحة من الصغار والكبار والمثقفين ومن دونهم من يصلي بانتظام ومن لا يصلى إلا الجمعة فقط، وكذا أصحاب الأفكار المختلفة حتى اليساري منها ويشمل الحضور المنتمون للتيارات السياسية المتناقضة، نجد في المسجد الجد والأب والحفيد كما نجد المعلم والطالب، والجامعي ومن في الروضة والعامل.
هذا الحشد من الحضور لا يوجد غالباً في أي حفل علمي وتربوي إلا في المسجد يوم الجمعة.
ج- تكرار الحضور
ما تكاد الجمعة تمضي إلا والجمعة الأخرى على الأبواب، والأحكام هي هي ، وجوب الحضور وفرض السعي لذكر الله، وهذا يمنح الخطيب فرصة كبيرة لنقل أفكاره لهذا الجمهور الذي لا يأتي متطوعاً، وبالمقارنة مع أي منبر إعلامي نجد أن منبر المسجد هو ذو الحظ الأوفى عدداً ونوعاً واستعداداً نفسياً.
د- الإعلام الذي لا يغلق
من الطبيعي أن تغلق صحيفة أو قناة فضائية أو جامعة أو كلية أو نادي رياضي أو ثقافي أو جمعية وغيرها، لكن المسجد هو المكان الذي تلتزم الأمة وأحياناً غير الأمة بالسماح بفتحه وحضور الجماهير إليه.
هـ- الناحية النفسية:
هناك عوامل متعددة تجعل لخطبة الجمعة أثراً متميزاً، منها كونها في المسجد أي بيت الله وهذا فيه ما فيه من الصبغة على قلوب الحاضرين، ووجود جمهور كله يصغي للخطيب ويتسم بالهدوء والسكينة والوقار، كما يلبس الملابس الأنظف ويتطيب، هذا الجو يجعل للكلمات مذاقاً خاصاً، فإذا بكى أحدهم انفعل من رآه أو سمعه، وغالباً ما لايكون لهذه الكلمات لو سجلت على شريط نفس الأثر في هذا الجو الجماهيري.
ولا تخفى النصوص التي فيها نزول السكينة والرحمة على من يجلسون في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم وكيف تحفهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده.
و- المباشرة لا الإعادة
ومن أسباب تأثير الجمعة على الحاضرين كونها مباشرة وجهاً لوجه وليست على الشاشة مثلاً ولا تسجيلاً معاداً، فهي كلمات طازجة ذات مفعول مباشر،
فمن يشاهد مسرحية مباشرة أشد تأثيراً وانفعالاً من ذاك الذي رآها معادة أو نظر إليها على شاشة تلفاز.
ومن يكون في المعركة يرى دقائقها ويسمع أصواتها وصليل سيوفها ليس كذاك الذي يقرؤها في السيرة أو كتب التاريخ، وهذا سرّ بطولات الرجال وانفعالهم وتقدمهم واستبسالهم حتى أننا نستغرب من مواقف الصحابة رضوان الله عليهم كيف كانوا يرموا التمرات من أيديهم ويقبلوا للشهادة، فيزول الاستغراب إذا علمنا أن منسوب الإيمان تضاعف مع المشاهدة والحضور ولا يمكننا الوصول لمثله غيابياً.
ب- أسباب نجاح الخطب
1-توفيق الله عز وجل
قال تعالى:"وما توفيقي إلا بالله"
وقديماً قيل: إذا لم يكن عون من الله للفتى، فأول ما يجني عليه اجتهاده