الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.. الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى.. نحمده حمداً كثيراً كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، ونصلي ونسلم على البشير النذير، والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:-
فقد حث الرسول - صلى الله عليه وسلم- على مكارم الأخلاق، وكان أفضل الخلق أخلاقاً وأحسنهم آداباً، وبين رسول الله أنه ما بعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق، فلقد كانت في الجاهلية أخلاق كريمة فأتى الرسول ليتممها، وذلك بإصلاح ما فسد منها، والثناء على ما كان فاضلاً، والحث عليه حيث يقول صلى الله عليه وسلم-:"إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"1.
أيها المسلمون: لقد امتدح الله نبيه على كمال الأخلاق فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } وذلك يظهر من خلال معاشرته للناس ومخالطته لهم، ولقد سئلت عائشة -رضي الله عنها- كيف كان خلق النبي - صلى الله عليه وسلم-؟ قالت:"كان خلقه القرآن"2 فلقد كان -بأبي هو وأمي- قرآناً يمشي على الأرض، أي أنه عمل بأخلاق القرآن، وتمثل آداب القرآن، وذلك أن القرآن أنزل للتدبر والعمل به، فكان أولى الناس عملاً به وامتثالاً لأوامره سيد الخلق.
ومما ذكر من الأخبار في حث الرسول على الأخلاق، عن أبي ذر قال: قال رسول الله:"اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"3.
وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه"4.
وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال:"إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً"5.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:"إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم"6.
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء"7.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يدعو بهذا الدعاء:".. واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت"8.
وقال:"إن الله -عز وجل- كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق، ويبغض سفسافها"9.
وكان أول من امتثل تلك الأخلاق وعمل بها رسولنا، ونحن نذكر من الأخلاق الحميدة التي تخلق بها لنقتدي به في ذلك تحقيقاً لقول الله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } سورة الأحزاب:21.
ومن تلك الأخلاق الرفيعة: الصدق في الكلام، والصدق في النيات، والصدق في الأعمال كلها، فهو الذي اتصف بذلك الخلق العظيم، وشهد بذلك أعداؤه قبل أصحابه، وقد كان يسمى الصادق الأمين، وهو القائل:"عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) 10."
وجعل الكذب علامة من علامات النفاق حيث قال:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان"11.
وهكذا عاش رسول الله صادقاً في كلامه، وصادقاً في عمله، وصادقاً في نيته، وصادقاً في مبادئه.. لم يصل إلى ما وصل إليه بالكذب والحيلة والمكر، بل إن كل حياته وضوح وصدق، حتى مع أعدائه الذين آذوه وأرادوا قتله وأسره..
هكذا فليكن المسلم -يا عباد الله- مقتدياً بنبيه في خلق الصدق، وأن يتقي الله في كلامه وحياته كلها.. إن الصدق نجاة والكذب هلاك..إن الله - عز وجل- امتدح الصادقين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} سورة التوبة: 119.
ومن أخلاق الرسول السماحة والعفو: روى البخاري ومسلم عن جابر ( أنه غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم- قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله قفل معهم، فأدركتهم القائلة -أي نوم القيلولة ظهراً- في واد كثير العضاه - شجر- فنزل رسول الله وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله تحت سمرة -نوع من الشجر- فعلق بها سيفه، ونمنا نومة؛ فإذا رسول الله يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال:"إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً - أي جاهزاً للضرب- فقال: من يمنعك مني؟ قلت:"الله، ثلاثاً"ولم يعاقبه وجلس ) 12"