فهرس الكتاب

الصفحة 8639 من 9994

معشرَ المسلمين: من الظُلمِ وتجاوزِ الحدودِ في الحقوقِ: أكلُ أموالِ الناسِ بالباطلِ ، كالسرقةِ ، والاختلاسِ ، وجحدِ العاريةِ ، وأكلِ مالِ اليتيمِ ظُلمًا ، وغصبِ الأرضِ وأخذها بغيرِ حقٍّ ، قال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم-: (( مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ) ). رواهُ البخاري. قوله: (( قيد شبر ) ): أي قدرَ شبرٍ ، وفي هذا إشارةٌ إلى استواءِ القليلِ والكثيرِ في الوعيد .

ومن الظُلمِ: منعُ الأُجرةِ عن مُستحِقِها من العُمالِ وغيرِهم، بعدَ وفاءِ عملهم. قال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم -: (( قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِه أَجْرَه ) )رواه البخاري.

عبادَ الله:

لقد كانَ السلفُ الصالحِ عليهم- رحمةُ الله- يحذرونَ من حقوقِ العبادِ ، ويخافُونَ من سُوءِ الحسابِ ، كتبَ رجلٌ إلى ابنِ عمرٍ- رضي اللهُ عنهما-: أن اكتب إليَّ بالعلمِ كلهِ، فكتبَ إليه: ( إنَّ العلمَ كثيرٌ ولكن إن استطعت أن تلقى اللهَ خفيفَ الظهرِ من دماءِ الناسِ ، خميصَ البطنِ من أموالهم، كافَ اللسانِ عن أعراضهم، لازمًا لأمرِ جماعتهم فافعل ) سير أعلام النبلاء ( 3 / 222 ) نقلاً أين نحن من أخلاق السلف ص113.

وعن عوفِ بن الحارثِ- رضي اللهُ عنه- قال سمعتُ عائشةَ- رضي الله عنها- تقولُ: دعتني أمُّ حبيبةَ عندَ موتها- رضي الله عنها- فقالت: قد كانَ يكونُ بيننا ما يكونُ بين الضرائرِ، فغفرَ اللهُ لي ولكِ ما كانَ من ذلك، فقلتُ: غفرَ الله لكِ كلَهُ وحَلَلَكِ من ذلك، فقالت سررتِني سركِّ الله ، وأرسلت إلى أمِّ سلمة ، فقالت لها مثلَ ذلك .

وعن عطاءِ بن أبي رباحٍ- رحمهُ الله- قال: حدثتني فاطمةُ امرأةُ عُمرَ بنِ

عبدِ العزيز- عليهم رحمة الله- أنَّها دخلت عليه ، فإذا هُو في مُصلاهُ ، يدُه على خدهِ ، سائلةٌ دموعُهُ ، فقلتُ يا أميرَ المؤمنين، ألشيءٍ حدث ؟ قال يا فاطمة:

إني تقلدتُ أمرَ المسلمين، فتفكرتُ في الفقيرِ الجائع، والمريضِ الضائع، والعاري المجهود، والمظلومِ المقهور، والغريبِ المأسور، والكبيرِ، وذي العيالِ، في أقطارِ الأرضِ ، فعلمت أنَّ ربِّي سيسألُني عنهم، فرحمتُ نفسي وبكيت -عليه رحمةُ الله- ورضوانُه .

أيُّها المسلمُ:

عليكَ أن تتداركَ أمركَ قبلَ حلولِ أجلكَ، وذلكَ بردِّ الحقوقِ إلى أهلِها، أو باستعطافِهم للحصولِ على مُسامحتِهم وعفوهم، قبلَ يومِ الجزاءِ والقصاص، نسألُ اللهَ تعالى أن يكفيَنا بحلالهِ عن حرامه ، وأن يُغنيَنا بفضلهِ عمن سِواه، وأن يُعيذَنا من شرورِ أنفسنا ، ومن سيئاتِ أعمالنا.

عبادَ الله ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (سورة الأحزاب:56) .

اللهمَّ صلِ وسلم على عبدكَ ورسُولِكَ نبينا محمد، وارضِ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعينَ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوكَ وإحسانكَ ورحمتكَ يا أرحمَ الراحمين.

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ وانصرِ المسلمين، وأذلَ الشركَ واخذلِ المُشركين ، ودمر أعداءَك أعداءَ الدين، واجعل هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًا، وسائرَ بلادَ المسلمين ، اللهمَّ أصلح ولاةَ أمرِنا وولاةَ أمورِ المُسلمين ، اللهمَّ وأصلح بطانتهم ومستشارِيهم، اللهمَّ واحفظ علينا أمنَنَا وإيماننا، واستر عوراتَنَا ، وآمن روعَاتِنَا ، وأعذنا اللهمَّ من غلبةِ الدينِ، وقهرِ الرجالِ، وشماتةِ الأعداءِ، ونسألُكَ اللهمَّ خشيتَكَ في الغيبِ والشهادةِ ، اللهمَّ اعصمنا بدينكَ، وبسنةِ نبيِّكَ- صلى الله عليه وسلم- من الاختلافِ في الحقِّ ، ومن إتباعِ الهوى، ومن سبيلِ الضلالةِ، ومن شُبهاتِ الأمورِ، ومن الزيغِ والخصومات،

اللهمَّ جنبنا أسبابَ الظُلمِ والبغيِّ والعُدوان، واصرف عنَّا وعن المسلمينَ ظُلمَ الظالمين، وعدوانَ المُعتدين، اللهمَّ رحمتكَ نرجو فلا تكلنا إلى أنفُسِنا ولا إلى أعمَالِنا وجُهدِنا طرفةَ عين، وأصلح لنا شأنَنَا كله.

اللهمَّ وفقنا لما تحبُ وترضى، وبارك لنا في أوقَاتِنا ، وصالحِ أعمَالِنا، اللهمَّ إنَّا نعوذُ بكَ من مُوجباتِ سخطكَ، وأليمَ عقابك ، اللهمَّ اكفنا والمسلمينَ شرورَ الكفارِ والمنافقين، وانتصر لعبادِكَ المظلُومِين ، وارحمِ الضعفاءَ والمساكين ، اللهمَّ يا من لا يرضَ عن القومِ الفاسقين، و يا من لا يَرُدُّ بأسهُ عن القومِ المُجرمين ، عليكَ بالذينَ يصدُّونَ عن سبيلكَ، ويبغونَها عوجاً وهم بالآخرةِ هم كافرون، اللهمَّ اغفر للمؤمنينَ والمؤمناتِ، الأحياءَ منهم والأمواتِ، برحمتكَ يا مجيبُ الدعوات، اللهمَّ اشفِ مرضَانا ، وعافِ مُبتلانا، واقضِ الدينَ عن مَدينَنَا، واجبر مُصابَنا، وتولَ أمرَنا ، وأصلح لنا أعمَالنا، واغفر لنا ذُنوبنا ، واجعلنا من عِبادِك الفائزينَ المنصورين،

اللهمَّ إنَّا نسألُك قلوباً سليمةً مُطمئنة ، تقنعُ بعطائك ، وترضى بقضائِك ، وتؤمنَ بلقائكَ ، ونسألكُ اللهمَّ حُسنَ القولِ وصالحَ العمل.

واجعلنا اللهمَّ من الذين يُجزونَ أجرَهم بأحسنِ ما كانوا يعملون ، ربنَا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ يا عزيزُ يا غفار .

عباد الله: إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، وينهى عن الفحشاءِ والمُنكرِ والبغي، يعظُكُم لعلكم تذكرون، فاذكروا اللهَ العظيمِ الجليلِ يذكُرُكم، واشكروهُ على نعمهِ يزدكُم، ولذكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون .

[1] سورة الأنعام ، الآية: 57 .

[2] سورة الأنعام ، الآية: 62 .

[3] سورة لقمان ، الآية: 33 .

[4] شرح النووي على صحيح مسلم ( 16 / 132 ) .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أيَّها المسلمون:

فلقد أنشأ النبي r دولةَ الإسلامِ الأولى في المدينةِ, حيث انطلقتْ منها جحافلُ التوحيدِ, وكتائبُ الجهادِ, يمنةً ويسرةً, لتدكَّ معاقلَ الوثنية,ِ وتستأصلَ شأفةَ الظلمةِ والمتسلطين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت