مازن التويجري ...
ملخص الخطبة ...
1-خروج الرسول إلى الطائف وما لقيه فيها. 2- دعاء النبي وأدعية الأنبياء في المحن. 3- رحمة النبي بالكافرين. 4- الإسراء والمعراج وموقف المشركين منه. 5- بيعة العقبة الأولى. 6- بيعة العقبة الثانية. ...
الخطبة الأولى ...
ولما خرج رسول الله وأصحابه من حصار الشعب الآثم, وكان ما كان من وفاة زوجه الرؤوم, وعمه الذي يحوطه ويمنعه, وأن كفار قريش لم يزالوا يحاربون الحق ودعوة الحق, يسومون المؤمنين بالعذاب أضعافًا لأهل الحق المتمسكين به, غدا ليعرض دعوته على بلاد أخرى, ورجال آخرين.
في شوال سنة عشر للنبوة, خرج رسول الله إلى الطائف ماشيًا على قدميه الطاهرتين ومعه مولاه زيد بن حارثة, كلما مرَّ على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام فلم يجبه أحد, ووصل إلى الطائف فعمد إلى ثلاثة أخوة من رؤساء ثقيف, وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي, فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ونصرة الإسلام, فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله أرسلك, وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا غيرك, وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا, إن كنت رسولاً لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك, ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك, فقام عنهم رسول الله وقال: (( إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ) ) [1] .
وأقام في أهل الطائف عشرة أيام, لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه, فقالوا: اخرج من بلادنا, وأغروا به سفهاءهم, فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به, حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا له صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة, ويسبونه ورجموا عراقيبه, حتى احتضنت نعلاه بالدماء, وزيد بن حارثة يقيه بنفسه, فأصابه شجاج في رأسه.
وهكذا يبقى أهل الحق في صراع مع الباطل على مرَّ العصور, في دعوته عليه السلام لأهل مكة وسيره لأهل الطائف نداء إلى كل من يحمل همَّ دينه وأمته: أن طريق الدعوة شاقٌ, طويلٌ, عسيرٌ, عقباته كؤود, وألمه شديده, ليتذكر ذلك العامل لدينه يوم يصاب في ماله, كيف بذل رسول الله دنياه كلها في سبيل دعوة الخلق إلى الحق, تذكر وأنت تدعو الناس إلى الله وقد أصابك ما أصابك من شتم يسير, أو سباب من سفيه حقير ما عرف قيمة الحياة أن إمام الأمة, وقائد الملة, وخير البشر, وأكرم الخلق, يُسب ويشتم, بل ويقال: كاهن, شاعر, مجنون, فهل رميت يومًا بمثل هذا, أو نالك من الحديث كهذا, بل أنت سالم في أهلك, معافىً في جسدك, والطاهر المطهر, المزكى من ربه ومولاه يضرب, ويرمى بالحجارة حتى يسيل دمه الطاهر, كل هذا نصرة لدين الله, ورفعًا للوائه ورايته, ولكن لابد أن يُعلم أن درب الجهاد والدعوة جماله في عنائه, وروعته في أوجاعه, ولذته في طول طريقه, ومن لم يجد هذا ولا ذاك فليراجع إيمانه وإخلاصه, وليكن نشيدك على الدوام:
دربنا المزروع بالشوك طويل وجميل ربما نعثر فيه وليالينا تطول
ولم يزل أولئك السفهاء بالنبي حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة, على ثلاثة أميال من الطائف فرفع كفيه وقال: (( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي, وقلة حيلتي, وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين, أنت رب المستضعفين وأنت ربي, إلى من تكلني, إلى بعيد يتجهمني, أم إلى عدو ملكته أمري, إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي, ولكن عافيتك هي أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك, أو يحل عليَّ سخطك, لك العتبى حتى ترضى,ولا حول ولا قوة إلا بك ) ) [2] .
لا إله إلا الله, أي التجاء أعظم من هذا الالتجاء يا أهل الحق, الحق منصور فلا تجزعوا, ولكن لابد للبطولة من أبطال, ولساحات الوغي من شجعان, ومن رام العلى, وسرى نحو الثريا, لابد وأن يترفع على الثرى وغباره, ولا يُرى يلطخ عقله وجسمه في الوحل والطين... إنه الدرس العظيم في صدق اللجوء, وعمق التعلق والتذلل, مهما بلغت الأسباب والمسببات, فلا تنفع شيئًا, إذا فارقها توفيق وتيسير مسبب الأسباب سبحانه.
ما يصيب العامل لدينه من توفيق أو عدمه, من تصديق أو تكذيب, من قبول أو عناد وكله في صالحه, ومن حسن تدبير الله له, وما يدريك ففي قبول الناس للخير الفوز والفلاح, وفي عنادهم وأذاهم تكفير وتمحيص للسيئات, وعلو ورفعة في الدرجات, يوسف عليه السلام بعد كل ما لاقى من عناد وعذاب يقول ويبتهل رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين [يوسف: 101] .
وموسى عليه السلام يخرج من وطنه طريدًا كسيرًا وآلامه تعتصر في قلبه, ومع ذلك ينادي ويدعو قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير [القصص: 24] .