فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إعداد د. علي عبد العزيز الشبل
الحمد لله الذي جعل في تعاقب الأيام والليالي والشهور والأعوم عبرة وآية، وثنَّى بذكر ذلك في القرآن آية بعد آية، فقال سبحانه في سورة البقرة: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون {البقرة: 164}
وفي آخر سورة آل عمران يقول سبحانه: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، وفي سورة يونس: إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون.
وفي سياق الآيات الكونية في سورة النور، يقول عز وجل: يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
هذا كله منه عز وجل استنانٌ على عباده وتذكيرٌ لهم بآياته الدالة على وحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فأقسم سبحانه بالعصر وببعض الأوقات كالفجر والضحى والليل والنهار في فواتح عدد من قصار المفصل من القرآن المكي، كما أقسم بالقمر والليل وإدباره والصبح وإسفاره في قوله عز وجل من سورة المدثر: كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر، ويقول سبحانه: والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا تنفس.
وله سبحانه أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تنويهًا بها وإبرازًا لعظمته في خلقها، وليس للمخلوق أن يقسم إلا بالله وأسمائه وصفاته.
ومن آياته سبحانه استدلاله بانفراده بالعبودية وحده بمعجزاته وآياته الباهرة الدالة على وحدانيته، فيقول سبحانه في سورة فصلت منها: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون.
إننا معاشر الأحبة نتذكر ونعتبر في تسخيره سبحانه الليل والنهار لعباده ليحقق لهم خلافة الأرض، ولتقوم مصالحهم ومعايشهم فيعلنوا بذلك توحيده وحده، والإسلام له وحده بإصلاح الدنيا بالإيمان به وحده، فامتن سبحانه بذلك في قوله من سورة إبراهيم: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار.
وفي سورة النحل بعدما يقول سبحانه: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.
كلُّ هذا في الحقيقة يدل ويؤكد على أصول مهمة وقواعد إيمانية عقدية راسخة وجليلة، وأهمها أمران:
أولهما: الاعتراف واليقين بوحدانيته سبحانه في أفعاله المستلزمة والمحقِّقة لواحدانيته سبحانه في إلاهيته وعبوديته وحده دونما شريك له فإذا تحقق هذا وحُقِّق؛
فثانيهما: جعل الإنسان؛ آدم وذريته في الأرض خلفاء ليعمر دنياهم بالتوحيد، فيكون في انقضاء الزمان بلياليه وأيامه وأعوامه، انقضاء أعمارهم وتحولهم إلى دار الجزاء والثواب.
فهو للمؤمن عبرة وأيّ عبرة على انقضاء مهلته ودنو أجله بتصرم العمر ونهايته وهو للمؤمن- لا الغافل- نذيرٌ وتنبيه ليفتح عقله وقلبه فيحاسب نفسه على ما مضى من تفريط أو غفلة أو إعراض ويحملها في مستقبل أيامه على فعل الجميل، ويأطرها على الحق أطرًا.
أيها الأحبة: إن في انقضاء الأعوام عبرةً وذكرى على حقارة الدنيا وترك الأمل، وذكرى على جلالة الآخرة وعظمتها، وذكرى على الزهد والورع وملازمة التقى.
إننا معشر المسلمين ونحن نودع عامًا ونستقبل عامًا آخر لا بد أن نتذكر أمورًا هامة جدًا.
1-فنتذكر ذلكم الحدث العظيم الذي غير وجه التاريخ، الذي أعز الله به الملة وأذل به الكفر وأهله، فنتذكر هجرة خليل الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، من بلد الكفر آنذاك إلى بلد التوحيد والسنة، من ذل الكفر وأهله، إلى عز الإسلام وأهله.
نتذكر الهجرة فنستفيد منها دروسًا في ديننا وعقيدتنا وأعمالنا أهمها:
أ- أن الهجرة من بلد الشرك إلى بلد التوحيد، ومن بلد الكفر إلى الإسلام واجبة عينًا، وباقية أبدًا إلى قيام الساعة، كما جاء بذلك الخبر عنه صلى الله عليه وسلم ، ولقوله تعالى في سورة النساء: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا.